قال السعدي: " أي: رغبوا في الضلالة، رغبة المشتري بالسلعة، التي من رغبته فيها يبذل فيها الأثمان النفيسة، وهذا من أحسن الأمثلة، فإنه جعل الضلالة، التي هي غاية الشر، كالسلعة، وجعل الهدى الذي هو غاية الصلاح بمنزلة الثمن، فبذلوا الهدى رغبة عنه بالضلالة رغبة فيها، فهذه تجارتهم، فبئس التجارة، وبئس الصفقة صفقتهم، وإذا كان من بذل دينارا في مقابلة درهم خاسرا، فكيف من بذل جوهرة وأخذ عنها درهما؟ " فكيف من بذل الهدى في مقابلة الضلالة، واختار الشقاء على السعادة، ورغب في سافل الأمور عن عاليها" (?).
وقد اختلف أهل العلم في قوله تعالى: {اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى} [البقرة: 16]، على أربعة أوجه (?):
أحدها: أنه على حقيقة الشراء فكأنهم اشتروا الكفر بالإيمان. قاله ابن عباس (?).
والثاني: أنه بمعنى استحبوا الكفر على الإيمان. قاله قتادة (?).
إذ عّبر عنه بالشراء، لأن الشراء يكون فيما يستحبه مشتريه، فإما أن يكون على معنى شراء المعاوضة فعلاً، لأن المنافقين لم يكونوا قد آمنوا، فيبيعوا إيمانهم.
وهؤلاء وجَّهوا معنى قول الله جل ثناؤه {اشْتَرَوا} إلى معنى اختاروا، لأن العرب تقول: اشتريت كذا على كذا، واسْتَرَيتُه - يَعْنُون اخترتُه عليه (?).
ومن الاستراء قول أعشى بني ثعلبة (?):
فَقَدْ أُخْرِجُ الكَاعِبَ الْمُسْتَرَا ... ةَ مِنْ خِدْرِهَا وَأُشِيعَ الْقِمَارَ
يعني بالمستراة: المختارة.
وقال ذو الرُّمة، في الاشتراء بمعنى الاختيار (?):
يَذُبُّ الْقَصَايَا عَنْ شَرَاةٍ كَأَنَّهَا ... جَمَاهِيرُ تَحْتَ الْمُدْجِنَاتِ الْهَوَاضِبِ
يعني بالشَّراة: المختارة.
وقال آخر في مثل ذلك (?):
إِنَّ الشَّرَاةَ رُوقَةُ الأَمْوَالِ ... وَحَزْرَةُ الْقَلْبِ خِيَارُ الْمَالِ
وضعّف الطبري هذا القول، وذلك" لأن الله جل ثناؤه قال: {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ}، فدل بذلك على أن معنى قوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى}، معنى الشراء الذي يتعارفه الناس، من استبدال شيء مكان شيء، وأخذِ عِوَض على عوض" (?).
والثالث: أنه بمعنى أخذوا الكفر وتركوا الإيمان، وهذا قول ابن عباس وابن مسعود (?)، واختاره الطبري (?).