قال القرطبي: قوله: {فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ}، " دليل على أنهم كانوا في ذلك الوقت مكلفين قد لحقهم الوعد والوعيد. وقد استدل بقول هابيل لأخيه قابيل: {فتكون من أصحاب النار} على أنه كان كافرا، لأن لفظ أصحاب النار إنما ورد في الكفار حيث وقع في القرآن، وهذا مردود هنا بما ذكرناه عن أهل العلم في تأويل الآية (?)، ومعنى: {من أصحاب النار}، مدة كونك فيها " (?).
قوله تعالى: {وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 29]، أي: " وذلك جزاء المعتدين" (?).
قال الطبري: أي: " والنار ثوابُ التاركين طريق الحق، الزائلين عن قصد السبيل، المتعدِّين ما جُعِل لهم إلى ما لم يجعل لهم" (?).
قال المراغي: أي: " والنار جزاء كل ظالم" (?).
قال ابن عطية: " يحتمل أن يكون من قول هابيل لأخيه، ويحتمل أن يكون إخبارا من الله تعالى لمحمد -صلى الله عليه وسلم-" (?).
قال عبد الله بن عمرو: "وإنا لنجد ابنَ آدم القاتلَ يقاسِم أهل النار قسمًة صحيحًة العذابَ، عليه شطرُ عذابهم" (?).
وروى الأعمش، عند عبد الله بن مرة، عن عبد الله بن مسعود قال: " قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما من نفس تقتل ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأوَّلَ كفلٌ منها، ذلك بأنه أول من سَنَّ القتل" (?).
وقال إبراهيم النخعي: " ما من مقتول يقتل ظلمًا، إلا كان على ابن آدم الأول والشيطان كفلٌ منه" (?).
وعن حكيم بن حكيم، أنه حُدِّث عن عبد الله بن عمرو: أنه كان يقول: إن أشقى الناس رجلا لابْنُ آدم الذي قتل أخاه، ما سُفِك دم في الأرض منذ قَتَل أخاه إلى يوم القيامة، إلا لحق به منه شيء، وذلك أنه أوَّل من سنَّ القتل" (?).
الفوائد:
1 - أن فيما قصه علينا الوحي من قتل قابيل لأخيه هابيل بيان لما في استعداد البشر من التنازع بين غرائز الفطرة بالتعارض بين عاطفة وشيجة الرحم، وحب العلو والرجحان، والامتياز على الأقران في رغائب النفس ومنافعها، وما قد يلد من الحسد، وما قد يتبع الحسد من البغي والعدوان. فضرب الله لنا مثلا لبيان هاتين الحقيقتين ; ليرتب عليه بيان كون غريزة الدين بل هدايته هي المهذبة للفطرة البشرية بترجيح الحق على الباطل والخير على الشر، فكان قابيل مثلا لمن غلبت عليه النزعة الثانية، وهابيل مثلا لمن غلبت عليه الأولى بترجيح هداية الدين.
2 - أن مثوى الظالمين هو عذاب النار.
القرآن