سبب النزول:

قال ابن جريج: {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم}، قال: نزلت في عبد الله بن أبيّ، وأبي عامر بن النعمان، وفي المنافقين {يخادعون الله وهو خادعهم}، قال: مثل قوله في «البقرة»: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ} [سورة البقرة: 9]، قال: وأما قوله: {وهو خادعهم}، فيقول: في النور الذي يعطَى المنافقون مع المؤمنين، فيعطون النور، فإذا بلغوا السور سُلب، وما ذكر الله من قوله: {انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ} [سورة الحديد: 13]. قال قوله: {وهو خادعهم} " (?).

قال مقاتل: " نزلت في عبد الله بن أبي وأصحابه: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} " (?).

قوله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء: 142]، أي: " إنَّ طريقة هؤلاء المنافقين مخادعة الله تعالى، بما يظهرونه من الإيمان وما يبطنونه من الكفر، ظنًّا أنه يخفى على الله، والحال أن الله خادعهم ومجازيهم بمثل عملهم" (?).

قال الزجاج: " أي يخادعون النبي - صلى الله عليه وسلم - بإظهارهم له الِإيمان وإِبطانِهم الكفْرِ، فجعل الله عزَّ وجلَّ مخادعة النبي - صلى الله عليه وسلم - مخادعة له" (?).

قال الماوردي: " أي: يخادعون نبي الله بما يظهرونه من الإيمان ويبطنونه من الكفر، فصار خداعهم لرسول الله صلى الله عليهم خداعاً لله عز وجل" (?).

قال الطبري: أي: " إنّ المنافقين يخادعون الله، بإحرازهم بنفاقهم دماءهم وأموالهم، والله خادعهم بما حكَم فيهم من منع دِمائهم بما أظهروا بألسنتهم من الإيمان، مع علمه بباطن ضمائرهم واعتقادهم الكفرَ، استدراجًا منه لهم في الدنيا، حتى يلقوه في الآخرة، فيوردهم بما استبطنوا من الكفر نارَ جهنم" (?).

قال الحسن: " يعطى المؤمن يوم القيامة نورا ويعطى المنافق نورا يمشون به حتى ينتهوا إلى الصراط، فإذا انتهوا إلى الصراط مضى المؤمنون بنورهم ويطفي نور المنافقين، فـ {يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} (?)، قال الحسن: فتلك خديعة الله إياهم" (?).

وفي معنى قوله تعالى: {وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء: 142]، وجوه من التفسير:

أحدها: أن مُخادعةُ اللَّه إياهم جزاؤُهم على المخادعة بالعذاب، فسمى الجزاء على الفعل باسمه، ومن ذلك قوله تعالى: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ} [الأنفال: 30]. ذكره الزجاج عن بعضهم (?)، واختاره ابن عطية (?).

والثاني: أنه أمر فيهم بأمر المُخْتَدِع لهم بما أمر به من قبول إيمانهم وإن علم ما يبطنون من كفرهم. ذكره الزجاج أيضا (?).

والثالث: أي: يسرع لهم الجزاء على إظهار الإيمان وإضمار الكفر بترك العصمة والتوفيق، وتمديد الأموال والبنين، والإطراق على عاجل الدنيا، وخاتمتهم النار. وهذا قول سهل التستري (?).

والرابع: أنه يفتح لهم باب من أبواب الجنة؛ فإذا رأوا ذلك قصدوا ذلك الباب، فلما دنوا منه أغلق دونهم، فذلك الخداع (?).

والخامس: أنهم عندما شاركوا المؤمنين في هذه الدنيا ومنافعها، والتمتع والتقلب فيها؛ فظنوا أنهم يشاركونهم في منافع الآخرة والتمتع بها؛ فيحرمون ذلك، فذلك الخديعة. أفاده الماتريدي (?).

طور بواسطة نورين ميديا © 2015