القول الاول: أن قاتل المؤمن مخلد في النار، وأكدوا هذا بأنها خبر، والأخبار لا تنسخ.
عن سعيد بن جبير قال ابن عباس: " نزلت هذه الآية: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا}، هي آخر ما نزل وما نسخها شيء" (?).
وعن سالم بن أبي الجَعْد، عن ابن عباس قال: " أن رجلا أتاه فقال: أرأيت رجلا قتل رجلا متعمدا؟ فقال: {جَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} قال: لقد نزلت في آخر ما نزل، ما نسخها شيء حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما نزل وحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: أرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى؟ قال: وأنى له بالتوبة. وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول: "ثكلته أمه، رجل قتل رجلا متعمدا، يجيء يوم القيامة آخذا قاتله بيمينه أو بيساره - وآخذا رأسه بيمينه أو بشماله - تَشْخَب أوداجه دما من قبل العرش يقول: يا رب، سل عبدك فيم قتلني؟ " (?).
والقول الثاني: أنها عامة دخلها التخصيص، بدليل أنه لو قتله كافر ثم أسلم الكافر سقطت عنه العقوبة في الدنيا والآخرة، فإذا ثبت كونها من العام المخصص، فأي دليل صلح للتخصيص وجب العمل به. ومن أسباب التخصيص أن يكون قد قتله مستحلا لأجل إيمانه فيستحق التخليد لاستحلاله.
وقد ضعف هذا الوجه أبو جعفر النحاس فقال: ومن لفظ عام لا يخص إلا بتوقيف أو دليل قاطع (?)، وقد ذهب قوم إلى أنها مخصوصة في حق من لم يتب، بدليل قوله تعالى: {إلا من تاب} (?) (?).
قال ابن الجوزي: " والصحيح أن الآيتين محكمتان، فإن كانت التي في النساء أنزلت أولا فإنها محكمة نزلت على حكم الوعيد غير مستوفاة الحكم، ثم بين حكمها في الآية التي في الفرقان، وكثير من المفسرين منهم ابن عباس وأبوا مجلز وأبو صالح. يقولون: فجزاؤه جهنم إن جازاه. وقد روى لنا مرفوعا إلا أنه لا يثبت رفعه، والمعنى: يستحق الخلود غير أنه لا يقطع له به، وفي هذا الوجه بعد لقوله: {وغضب الله عليه ولعنه}. فأخبر بوقوع عذابه كذلك، وقال أبو عبيد: وإن كانت التي في الفرقان الأولى فقد استغنى بما فيها عن إعادته في سورة النساء فلا وجه للنسخ بحال" (?).
يقول الشوكاني- بعد أن أورد الآثار الواردة عن سعيد بن جبير وزيد بن ثابت بعدم النسخ-: "ومن ذهب إلى أنه لا توبة له من السلف: أبو هريرة وعبد الله بن عمرو، وأبو سلمة، وعبيد بن عمير، والحسن، وقتادة، والضحاك بن مزاحم، نقله ابن أبي حاتم عنهم، وذهب الجمهور إلى أن التوبة منه مقبولة، واستدلوا بمثل قوله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114]، وقوله: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} [الشورى: 25]، وقوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48، و 116].
قالوا أيضا: والجمع ممكن بين آية النساء هذه وآية الفرقان فيكون معناهما: فجزاؤه جهنم إلا من تاب، لا سيما وقد اتحد السبب وهو القتل الموجب والتوعد بالعقاب" (?). ثم سرد الشوكاني أدلة الجمهور.
قال ابن كثير: " والذي عليه الجمهور من سلف الأمة وخلفها: أن القاتل له توبة فيما بينه وبين ربه عز وجل، فإن تاب وأناب وخشع وخضع، وعمل عملا صالحا، بدل الله سيئاته حسنات، وعوض المقتول من ظلامته وأرضاه عن طلابته.