قال مكحول: "إن القرآن جزء من اثنين وسبعين جزءا من النبوة، وهو الحكمة التي قال الله: {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا} " (?).

قال الزمخشري: " و {خَيْراً كَثِيراً} تنكير تعظيم، كأنه قال: فقد أوتى أىّ خير كثير" (?) (?).

قال أبو حيان: " وكرر ذكر الحكمة ولم يضمرها لكونها في جملة أخرى، وللاعتناء بها، والتنبيه على شرفها وفضلها وخصالها" (?).

قال القاسمي: "وفي إيلاء هذه الآية لما قبلها إشعار بأن الذي لا يغتر بوعد الشيطان ويوقن بوعد الله هو من آتاه الله الحكمة" (?).

قال القرطبي: " يقال: إن من أعطي الحكمة والقرآن فقد أعطي أفضل ما أعطي من جمع علم كتب الأولين من الصحف وغيرها، لأنه قال لأولئك: " {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} [الإسراء: 85]، وسمى هذا خيرا كثيرا، لأن هذا هو جوامع الكلم. وقال بعض الحكماء: من أعطي العلم والقرآن ينبغي أن يعرف نفسه، ولا يتواضع لأهل الدنيا لأجل دنياهم، فإنما أعطي أفضل ما أعطي أصحاب الدنيا، لأن الله تعالى سمى الدنيا متاعا قليلا فقال: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ} وسمى العلم والقرآن {خَيْراً كَثِيراً} " (?).

قال ابن عثيمين: " فإن قال قائل: ما وجه اختلاف التعبير بين قوله تعالى: {يؤتي الحكمة من يشاء}، وقوله تعالى: {ومن يؤت الحكمة}؟

فالجواب: - والله أعلم - أن الحكمة قد تكون غريزة؛ وقد تكون مكتسبة؛ بمعنى أن الإنسان قد يحصل له مع المران ومخالطة الناس من الحكمة وحسن التصرف ما لا يحصل له لو كان منعزلاً عن الناس؛ ولهذا أتى بالفعل المضارع المبني للمفعول ليعم كل طرق الحكمة التي تأتي - سواء أوتي الحكمة من قبل الله عز وجل، أو من قِبل الممارسة والتجارب؛ على أن ما يحصل من الحكمة بالممارسة والتجارب" (?).

وقوله تعالى: {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ} [البقرة: 269]، فيه ثلاثة قراءات (?):

الأولى: قرأ الجمهور مبنياً للمفعول الذي لم يسم فاعله، وهو ضمير: من، وهو المفعول الأول: ليؤت.

الثانية: وقرأ الزهري ويعقوب: {وَمَنْ يُؤْتِ الْحِكْمَةَ}، بكسر التاء مبنيا للفاعل.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015