والثاني: أن تعدد المبتدأ يجعل الجملة الواحدة كالجملتين؛ فيكون في ذلك توكيد على توكيد.

و(الرجاء): " الطمع في حصول ما هو قريب؛ ومعلوم أن الطمع بما هو قريب لا يكون قريباً إلا بفعل ما يكون قريباً به؛ وهؤلاء فعلوا ما تكون الرحمة قريبة منهم؛ والذي فعلوه: الإيمان، والهجرة، والجهاد؛ فإذا لم يرْجُ هؤلاء رحمة الله فمن الذي يرجوها؟ ! ! فهؤلاء هم أهل الرجاء؛ فالرجاء لا بد له من أسباب؛ وحسن الظن لا بد له من أسباب" (?).

قال القرطبي: " {ويرجون} معناه يطمعون ويستقربون، وإنما قال "يرجون" وقد مدحهم لأنه لا يعلم أحد في هذه الدنيا أنه صائر إلى الجنة ولو بلغ في طاعة الله كل مبلغ، لأمرين:

أحدهما: لا يدري بما يختم له.

والثاني: لئلا يتكل على عمله.

والرجاء ينعم، والرجاء أبدا معه خوف ولا بد، كما أن الخوف معه رجاء، والرجاء من الأمل ممدود، يقال: رجوت فلانا رجوا ورجاء ورجاوة، يقال: ما أتيتك إلا رجاوة الخير. وترجيته وارتجيته ورجيته وكله بمعنى رجوته، قال بشر يخاطب بنته (?):

فرجي الخير وانتظري إيابي ... إذا ما القارظ العنزي آبا

وما لي في فلان رجية، أي ما أرجو. وقد يكون الرجو والرجاء بمعنى الخوف، قال الله تعالى: {مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً} [نوح: 13] أي لا تخافون عظمة الله، قال أبو ذؤيب (?):

إذا لسعته النحل لم يرج لسعها ... وخالفها في بيت نوب عوامل

أي لم يخف ولم يبال.

والرجا - مقصور -: ناحية البئر وحافتاها، وكل ناحية رجا. والعوام من الناس يخطئون في قولهم: يا عظيم الرجا، فيقصرون ولا يمدون" (?).

والمراد بـ (الرحمة) هنا "يحتمل أن تكون الرحمة التي هي صفته - أي أن يرحمهم -؛ ويحتمل أن يكون المراد ما كان من آثار رحمته؛ وقد ثبت في الصحيح أن الله تعالى قال للجنة: «أنت رحمتي أرحم بك من أشاء» (?)؛ فجعل المخلوق رحمة له؛ لأنه من آثار رحمة الله؛ ولهذا قال: «أرحم بك»؛ أما الرحمة التي هي وصفه فهي شيء آخر؛ فالآية محتملة للمعنيين؛ وكلاهما متلازمان؛ لأن الله إذا رحم عبداً أدخله الجنة التي هي رحمته" (?).

قوله تعالى: {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 218]؛ أي: والله" ساتر ذنوبَ عباده بعفوه عنها، متفضل عليهم بالرحمة" (?).

قال الصابوني: " والله عظيم المغفرة، واسع الرحمة" (?).

قال القاسمي: " {وَاللهُ غَفُورٌ} لهتكهم حرمة الشهر: {رَّحِيمٌ} بما تجاوز عن قتالهم، مع قيام دليل الحرمة فلم يعاقبهم" (?).

طور بواسطة نورين ميديا © 2015