والوجه الثاني: أن تكون {ماذا} بمعنى: أيّ شيء، فيرفع {ماذا}، وإن كان قوله: {ينفقون} واقعًا عليه، إذ كان العاملُ فيه، وهو {ينفقون}، لا يصلح تقديمه قبله، وذلك أن الاستفهامَ لا يجوز تقديم الفعل فيه قبل حرف الاستفهام، كما قال لبيد بن ربيعة (?):
ألا تَسْأَلانِ المَرْءَ مَاذَا يُحَاِولُ ... أَنَحْبٌ فَيُقْضَى أَمْ ضلالٌ وَبَاطِلُ
وكما قال مزاحم العقيل (?):
وَقَالُوا تَعَرَّفْهَا المَنَازِلَ مِنْ مِنًى ... وَمَا كُلُّ مَنْ يَغْشَى مِنًى أَنَا عَارِفُ
فرفع (كل) ولم ينصبه (بعارف)، إذ كان معنى قوله: " وما كلُّ من يغشى منىً أنا عارف " جحودُ معرفه من يغشى منيً، فصار في معنى ما أحد.
قوله تعالى: {قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [البقرة: 215]؛ أي: " فقل لهم: ما أنفقتم من أموالكم وتصدقتم به، فأنفقوه وتصدقوا به واجعلوه لآبائكم وأمهاتكم وأقربيكم، ولليتامى منكم، والمساكين، وابن السبيل" (?).
قال الصابوني: أي" قل لهم يا محمد اصرفوا في هذه الوجوه" (?).
وقوله {مِنْ خَيْرٍ} [البقرة: 215]، أي: " من مال" (?).
قال الشربيني: " أي: مال قليلاً كان أو كثيراً" (?).
قال الراغب: "فسمي (المال) خيرا تنبيها أن الذي يجوز إنفاقه هو الحلال الذي يتناوله اسم الخير، كما قال: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} ثم بين تعالي أن كل ما يفعلونه لا يخفى عليه على الوجه الذي يفعلونه، [تنبيها أنه يجازى به] نحو قوله: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [اللزلة: 7 - 8] " (?).
وقرأ علي بن أبي طالب {يفعلوا} بالياء على ذكر الغائب، وظاهر الآية الخبر، وهي تتضمن الوعد بالمجازاة (?).
قال الطبري: " و {الخير} الذي قال جل ثناؤه في قوله: {قل ما أنفقتم من خير}، هو المال الذي سأل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أصحابُه من النفقة منه، فأجابهم الله عنه بما أجابهم به في هذه الآية" (?).
قال الفخر: " المراد من الخير هو المال لقوله عز وجل: {وإنه لحب الخير لشديد} [العاديات: 8] وقال: {إن ترك خيرا الوصية} [البقرة: 180] فالمعنى وما تفعلوا من إنفاق شيء من المال قل أو كثر، وفيه