قال الزمخشري: " ولما ذكر ما كانت عليه الأمم من الاختلاف على النبيين بعد مجيء البينات- تشجيعاً لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم والمؤمنين على الثبات والصبر مع الذين اختلفوا عليه من المشركين وأهل الكتاب وإنكارهم لآياته وعداوتهم له- قال لهم على طريقة الالتفات التي هي أبلغ: {أم حسبتم} " (?).
و{أَمْ}: منقطعة، ومعنى الهمزة فيها، للتقرير وإنكار الحسبان واستبعاده (?).
والخطاب في قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ}، "يعود على كل من يتوجه إليه الخطاب: إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإلى الصحابة، وإلى من بعدهم" (?).
و{الجنة} في اللغة: "البستان كثير الأشجار؛ وفي الشرع: هي الدار التي أعدها الله للمتقين فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" (?).
قوله تعالى: {وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة: 214]؛ أي " أي والحال لم ينلكم مثل ما نال من سبقكم من المؤمنين، من المحن الشديدة، ولم تبتلوا بمثل ما ابتلوا به من النكبات" (?).
قال الطبري: أي: " ولم يصبكم مثلُ ما أصاب مَن قبلكم مِن أتباع الأنبياء والرسل من الشدائد والمحن والاختبار" (?).
قال القاسمي: "والحال أنه لم يأتكم مثلهم بعد، ولم تبتلوا بما ابتلوا به من الأحوال الهائلة التي هي مَثَلٌ في الفظاعة والشدة، سنة الله التي لا تتبدل" (?).
وفي قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة: 214]، وجهان:
أحدهما: أي: " شبه الذين خلوا فمضوا قبلكم". قاله الطبري (?).
والثاني: أن المعنى: " سنتهم، كما قال تعالى: {فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الأوَّلِينَ} [الزخرف: 8] ".وهذا قول الربيع بن أنس (?)، وبه قال ابن كثير (?).
قال ابن عثيمين: "أي صفة ما وقع لهم؛ و (المثل) يكون بمعنى الصفة، مثل قوله تعالى: {مثل الجنة التي وعد المتقون} [الرعد: 35] أي صفتها كذا، وكذا؛ ويكون بمعنى الشبه، كقوله تعالى: {مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً} [البقرة: 17] أي شبههم كشبه الذي استوقد ناراً؛ و {خلوا} بمعنى مضوا؛ فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: {من قبلكم} إذا كانت {خلوا} بمعنى مضوا؟ نقول: هذا من باب التوكيد؛ والتوكيد قد يأتي بالمعنى مع اختلاف اللفظ، كما في قوله تعالى: {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} [البقرة: 60]؛ فإن الإفساد هو العثو؛ ومع ذلك جاء حالاً من الواو؛ فهو مؤكد لعامله" (?).
أخرج ابن أبي حاتم عن مفضل قال: "سالت أبا صخر، عن قوله: {ولما ياتكم مثل الذين خلوا من قبلكم}، يقول: ولم اضربكم ببلايا كما بلوت الذين من قبلكم، بلوتهم بالباساء والضراء وزلزلوا " (?).
واخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن انس: {ولما ياتكم}، يقول: "ولما تبتلوا" (?).