قال الطبراني: " والْمِهَادُ: الْفِرَاشُ الْمُوطِئُ للنومِ كما يُمهد للطفلِ؛ فلما كان المعذَّبُ يُلْقَى في نار جنهم، جعل ذلك مهاداً له على معنى: أنَّ جهنم للكافرِ مكان كالمهادِ للمؤمن في الجنةِ" (?).

قال القرطبي: " وسمي جهنم مهادا لأنها مستقر الكفار" (?).

والثاني: لأنها بدل من المهاد لهم، فصار كقوله: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الانشقاق: 24]، على جِهَةِ البَدَلْ، ونظيره من الكلام قولهم (?):

وخيل قد دلفت لها بخيل ... تحية بينِهم ضرب وجيع

الفوائد:

1 - من فوائد الآية: أن هذا الرجل الموصوف بهذه الصفات يأنف أن يؤمر بتقوى الله؛ لقوله تعالى: {أخذته العزة بالإثم} فهو يأنف، كأنه يقول في نفسه: أنا أرفع من أن تأمرني بتقوى الله عزّ وجلّ؛ وكأن هذا الجاهل تعامى عن قول الله تعالى لأتقى البشر: {يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين} [الأحزاب: 1]؛ وقال تعالى في قصة زينب: {واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} [الأحزاب: 37].

2 - ومنها: البلاغة التامة في حذف الفاعل في قوله تعالى: {وإذا قيل له اتق الله}؛ ليشمل كل من يقول له ذلك؛ فيكون رده لكراهة الحق.

3 - ومنها: التحذير من رد الناصحين؛ لأن الله تعالى جعل هذا من أوصاف هؤلاء المنافقين؛ فمن رد آمراً بتقوى الله ففيه شبه من المنافقين؛ والواجب على المرء إذا قيل له: «اتق الله» أن يقول: «سمعنا، وأطعنا» تعظيماً لتقوى الله.

4 - ومنها: أن الأنفة قد تحمل صاحبها على الإثم؛ لقوله تعالى: {أخذته العزة بالإثم}.

5 - ومنها: أن هذا العمل موجب لدخول النار؛ لقوله تعالى: {فحسبه جهنم}.

6 - ومنها: القدح في النار، والذم لها؛ لقوله تعالى: {ولبئس المهاد}؛ ولا شك أن جهنم بئس المهاد.

7 - يُحكى: أنَّ يهودياً كانت له حاجةٌ إلى هارون الرشيد، فاختلفَ إلى بابهِ زماناً فلم يَقْضِ حاجتهُ، فوقفَ يوماً على الباب، فخرجَ هارونُ وهو يسعى بين يديهِ، فقال لهُ: اتَّقِ اللهَ يا أميرَ المؤمنين! فَنَزَلَ هارونُ عن دابَّته وَخَرَّ سَاجِداً؛ فلما رفعَ رأسهُ أمَرَ بحاجته فَقُضِيَتْ. فقيلَ له: يا أميرَ المؤمنين، نَزَلْتَ عن دابَّتك لقولِ يهوديٍّ؟ ! قال: لا، ولكنْ ذكرتُ قولَ اللهِ {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ} (?).

وأخرج ابن المنذر والبيهقي في الشعب عن سفيان قال: قال رجل لمالك بن مغول: اتق الله، فسقط، فوضع خده على الأرض تواضعا لله" (?).

القرآن

{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207)} [البقرة: 207]

التفسير:

وبعض الناس يبيع نفسه طلبًا لرضا الله عنه، بالجهاد في سبيله، والتزام طاعته. والله رءوف بالعباد، يرحم عباده المؤمنين رحمة واسعة في عاجلهم وآجلهم، فيجازبهم أحسن الجزاء.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015