وإذا نُصِح ذلك المنافق المفسد، وقيل له: اتق الله واحذر عقابه، وكُفَّ عن الفساد في الأرض، لم يقبل النصيحة، بل يحمله الكبر وحميَّة الجاهلية على مزيد من الآثام، فَحَسْبُه جهنم وكافيته عذابًا، ولبئس الفراش هي.
قال القرطبي: " هذه صفة الكافر والمنافق الذاهب بنفسه زهوا، ويكره للمؤمن أن يوقعه الحرج في بعض هذا. وقال عبدالله: كفى بالمرء إثما أن يقول له أخوه: اتق الله، فيقول: عليك بنفسك، مثلك يوصيني! " (?).
قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ} [البقرة: 206]، أي إذا قيل له" خف الله" (?).
قال ابن عثيمين: "أي إذا قال له أهل العلم، والإيمان اتق الله -أي اتخذ وقاية من عذاب الله بترك الكفر، والفساد" (?).
قال الطبراني: " أي إذا قيلَ لها المنافق: احذرْ عقوبةَ الله ولا تفسدْ" (?).
قال الصابوني: " أي إذا وُعظ هذا الفاجر وذكِّر وقيل له انزع عن قولك وفعلك القبيح" (?).
قال المراغي: " أي إن ذلك المفسد إذا أمر بمعروف أو نهى عن منكر" (?).
قوله تعالى: {أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ف} [البقرة: 206]، أي "حملته العزة وحمية الجاهلية على الفعل بالإثم أي بالظلم" (?).
قال الثعلبي: " أي: حملته العزّة وحمية الجاهليّة على الفعل بالإثم والعزة والقوّة والمنعة" (?).
قال صاحب الكشاف: أى "حملته العزة التي فيه وحمية الجاهلية على الإثم الذي ينهى عنه، وألزمته ارتكابه، وأن لا يخلى عنه ضرارا ولجاجا. أو على ردّ قول الواعظ" (?).
قال الصابوني: " حملته الأنفة وحمية الجاهلية، على الفعل بالإثم، والتكبر عن قبول الحق، فأغرق في الإفساد، وأمعن في العناد" (?).
قال ابن كثير: أي" إذا وُعظ هذا الفاجر في مقاله وفعاله، وقيل له: اتق الله، وانزع عن قولك وفعلك، وارجع إلى الحق - امتنع وأبى، وأخذته الحميَّة والغضب بالإثم، أي: بسبب ما اشتمل عليه من الآثام، وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الحج: 72] " (?).
قال المراغي: أي: " أسرع إليه الغضب، وعظم عليه الأمر وأخذته الأنفة وطيش السفه، إذ يخيل إليه أن النصح والإرشاد ذلة تنافى العزة التي تليق بأمثاله" (?).
قال الشيخ ابن عثيمين: "والعزة قد تكون وصفاً محموداً؛ وقد تكون وصفاً مذموماً، فالمعتز بدينه محمود، كما قال تعالى: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} [المنافقون: 8]؛ والمعتز بحسبه ونسبه حتى يكون عنده أنفة إذا أُمر بالدين والإصلاح مذموم" (?).
وفي قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ} [البقرة: 206]، تأويلان (?):
أحدهما: معناه دعته العزة إلى فعل الإثم.
والثاني: معناه إذا قيل له اتق الله، عزت نفسه أن يقبلها، للإثم الذي منعه منها.
والمراد بـ {الإثم}: "الذنب الموجب للعقوبة؛ فكل ذنب موجب للعقوبة فهو إثم" (?).
واختلف أهل التأويل فيمن عنى بهذه الآية على قولين (?):
أحدهما: أنه عنى بها كل فاسق ومنافق، وهذا معنى قول علي (?)، وعمر (?)، وابن عباس (?) -رضي الله عنهم-.
والثاني: أنه عنى به الأخنس بن شريق. قاله السدي (?).
و(العزة) في اللغة: القوة والشدة والغلبة، من عزه يعزه إذا غلبه. ومنه: {وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ} [ص: 23] (?).
وقد اختلف أهل التفسير في معنى (العزة) في قوله تعالى: {أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ} [البقرة: 206]، على أقوال (?):
أحدها: أن العزة هنا: (الحمية)، ومنه قول الشاعر (?):
أخذته عزة من جهله ... فتولى مغضبا فعل الضجر
والثاني: أنه العزة هنا: (المنعة وشدة النفس)، أي اعتز في نفسه وانتحى فأوقعته تلك العزة في الإثم حين أخذته وألزمته إياه.
والثالث: أن: المعنى إذا قيل له: مَهْلًا مَهْلَا، ازداد إقداما على المعصية. قاله قتادة (?).
قال القرطبي: "والمعنى حملته العزة على الإثم" (?).
والرابع: وقيل: أخذته العزة بما يؤثمه، أي ارتكب الكفر للعزة وحمية الجاهلية. ونظيره: {َبَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} [ص: 2] (?).
قال أهل العلم: " معنى: {أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ}: حملته عليه، وجَرّأته عليه، وزينت له ذلك، يقال: أخذت فلانًا بكذا وكذا، أي: أردته عليه، وحملته على ذلك، وكلفته" (?).