قال المراغي: " أي وهو قوى في الجدل لا يعجزه أن يغشّ الناس بما يظهر من الميل إليهم والسعى في إصلاح شئونهم" (?).
قال السعدي: " إذا خاصمته، وجدت فيه من اللدد والصعوبة والتعصب، وما يترتب على ذلك، ما هو من مقابح الصفات، ليس كأخلاق المؤمنين، الذين جعلوا السهولة مركبهم، والانقياد للحق وظيفتهم، والسماحة سجيتهم" (?).
و(الألد) من الرجال: الشديد الخصومة، قال تعالى: قال الله تعالى: {وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا} [مريم: 97] (?).
قال الثعلبي: "يقال: رجل الدّ وامرأة لدّاء ورجال ونساء لدّ" (?).
قال الطبري: " يقال: قد لَدَدْتَ يا هذا، ولم تكن ألدَّ، فأنت تلُدُّ لَدَدًا ولَدَادةً (?)، فأما إذا غلب من خاصمه، فإنما يقال فيه: " لدَدْت يا فلانُ فلانًا فأنت تَلُدُّه لَدًّا، ومنه قول الشاعر (?):
ثُمَّ أُرَدِّي بِهِمُ من تُرْدِي ... تَلُدُّ أقْرَانَ الخُصُومِ اللُّدِّ" (?)
قال الحافظ ابن حجر: " الألد: الشديد اللَّدَد، أي: الجدال (?)، مشتق من اللُدَيْدَين، وهما صفحتا العنق (?)، والمعنى أنه من أي جانب أخذ في الخصومة قَوِيَ" (?).
وفي (الخصام) قولان:
أحدهما: أنه مصدر، وهو قول الخليل (?)، وأبو عبيدة (?)، واختيار الطبري (?).
والثاني: أنه جمع (خَصْمٍ)، وهو قول الزجاج (?).
وفي تفسير قوله تعالى {أَلَدُّ الْخِصَامِ} [البقرة: 204]، أربعة أوجه (?):
أحدها: أنه ذو جدال إذا كلمك وراجعك، وهو قول ابن عباس (?)، وقتادة (?).
والثاني: يعني أنه غير مستقيم الخصومة، لكنه معوَجُّها، وهذا قول مجاهد (?)، والسدي (?).
قال الطبري: " وكلا هذين القولين متقاربُ المعنى، لأن الاعوجاجَ في الخصومة من الجدال واللدد" (?).
والثالث: يعني أنه كاذب في قوله. وهذا قول الحسن البصري (?).
والرابع: أنه شديد القسوة في معصية الله، وهو قول قتادة (?).
وقد روى ابن أبي مليكة، عن عائشة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى اللهِ تَعَالَى الأَلَدُّ الخَصَمُ" (?).
وفيمن قصد بهذه الآية وما بعدها قولان (?):
أحدهما: أنه صفة للمنافق، وهذا قول ابن عباس (?)، وقتادة (?)، ومجاهد (?)، والربيع (?)، وعطاء (?)، والحسن (?).
والثاني: أنها نزلت في الأخنس بن شريق، وهو قول السدي (?).
الفوائد:
1 - من فوائد الآية: أنه لا ينبغي للإنسان أن يغتر بظواهر الأحوال؛ لقوله تعالى: {ومن الناس من يعجبك قوله}؛ وكذلك من الناس من يعجبك فعله؛ ولكنه منطوٍ على الكفر - والعياذ بالله؛ ولكن لا شك أنه بالنسبة إلينا ليس لنا أن نحكم إلا بما يقتضيه الظاهر؛ لأن ما في القلوب لا نعلمه؛ ولا يمكن أن نحاسب الناس على ما في القلوب؛ وإنما نحاسبهم على حسب الظاهر.
2 - ومنها: أن هذا الصنف من الناس يُشهد الله على ما في قلبه إما مما أظهره؛ وإما مما أبطنه - حسب ما سبق.
3 - ومنها: الإشارة إلى ذم الجدل، والخصام؛ لقوله تعالى: {وهو ألد الخصام}؛ لأن الخصومات في الغالب لا يكون فيها بركة؛ وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم» (?) أي الإنسان المخاصم المجادل بالباطل ليدحض به الحق؛ وما من إنسان في الغالب أعطي الجدل إلا حرم بركة العلم؛ لأن غالب من أوتي الجدل يريد بذلك نصرة قوله فقط؛ وبذلك يحرم بركة العلم؛ أما من أراد الحق فإن الحق سهل قريب لا يحتاج إلى مجادلات كبيرة؛ لأنه واضح؛ ولذلك تجد أهل البدع الذين يخاصمون في بدعهم علومهم ناقصة البركة لا خير فيها؛ وتجد أنهم