والثالث: أنه عنى بذلك جميعَ المنافقين، وعنى بقوله: {ومن الناس من يُعجبك قوله في الحياة الدنيا ويُشهد الله على ما في قلبه}، اختلافَ سريرته وعلانيته.

قال أبو معشر نجيح: " سمعت سعيدًا المقبري يذاكر محمد بن كعب، فقال سعيد: إنّ في بعض الكتب أن لله عبادًا ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمرُّ من الصَّبِر، لبسوا للناس مسوكَ الضأن من اللين، يجترُّون الدنيا بالدين، قال الله تبارك وتعالى: أعليّ يجترءون، وبي يغترُّون! ! وعزتي لأبعثنّ عليهم فتنة تترك الحليمَ منهم حيران! ! فقال محمد بن كعب: هذا في كتاب الله جل ثناؤه. فقال سعيد: وأين هو من كتاب الله؟ قال: قول الله عز وجل: " ومنَ الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرثَ والنسل والله لا يحبَ الفساد " فقال سعيد: قد عرفتَ فيمن أنزلت هذه الآية! فقال محمد بن كعب: إن الآية تنزل في الرجل، ثم تكون عامة بعدُ (?). وروي عن نَوْف (?)، وقتادة (?)، ومجاهد (?)، والربيع (?)، وعطاء (?)، مثل ذلك.

قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ} [البقرة: 204]، " أي ومن الناس فريق يعجبك قوله" (?).

قال الصابوني: " أي: ومن الناس فريق يروقك كلامه يا محمد ويثير إِعجابَك بخلابة لسانه وقوة بيانه" (?).

قال القاسمي: "أي بعض الناس" يعظم في نفسك حلاوة حديثه وفصاحته في أمر الحياة الدنيا التي هي مبلغ علمه" (?).

قال صاحب الكشاف: " أى يروقك ويعظم في قلبك. ومنه: الشيء العجيب الذي يعظم في النفس (?).

قال الراغب" التعجب حيرة تعرض للإنسان عن جهل سبب الشيء وليس هو شي ماله في ذاته حالة، بل هو بحسب الإضافات إلى من يعرف السبب وإلى من لا يعرفه، ولهذا قال قوم كل شيء عجب، وقال قوم: لا شيء عجب، وحقيقة أعجبني كذا، أي ظهر لي ظهوراً لم أعرف سببه" (?).

قال السعدي: " أي: إذا تكلم راق كلامه للسامع، وإذا نطق، ظننته يتكلم بكلام نافع" (?).

والخطاب في قوله تعالى: {يُعْجِبُكَ} [البقرة: 204]، يحتمل وجهين (?):

أحدهما: أنه خطاب للرسول -صلى الله عليم وسلم-.

والثاني: أنه لكل من يتأتى خطابه.

قال ابن عثيمين: " والأولى الثاني" (?).

قوله تعالى: {فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [البقرة: 204]، " أي في هذه الحياة فقط" (?).

طور بواسطة نورين ميديا © 2015