قيل أن قوله تعالى: {مِمَّا كَسَبُوا} يدل على أن ما كسبوه للدنيا لا معتبر له، وأن لهم بعض ما كسبوا، وهو ما كان للآخرة، لا كل ما كسبوا مما هو للدنيا وللآخرة، قال الله تعالى: {وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا} [46: الكهف] (?).

وفي قوله تعالى: {أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا} [البقرة: 202]، تفسيران:

أحدهما: أ، المعنى: دعاؤهم مستجاب؛ لأن كَسْبَهُم هاهنا الذي ذكر: الدعاء. قاله الزجاج (?).

والثاني: معناه: لهم نصيب من كسبهم باستحقاقهم الثواب عليه، خلاف من بطل عمله فلم يكن له منه حظ. وهذا معنى قول قتادة (?).

وفي المشار إليه في قوله تعالى: {أُولَئِكَ} [البقرة: 202]، قولان (?):

أحدهما: أن الإشارة تعود إلى التقسيم الثاني الذين يقولون: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} [البقرة: 201]؛ فهؤلاء لهم نصيب مما كسبوا؛ لقوله تعالى: {من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها} [النساء: 85].

قال القرطبي: "أي لهم ثواب الحج أو ثواب الدعاء، فإن دعاء المؤمن عبادة" (?).

والثاني: أن الإشارة تعود إلى مورد التقسيم كله، فللمؤمن ثواب عمله ودعائه، وللكافر عقاب شركه وقصر نظره على الدنيا، وهو مثل قوله تعالى: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا} [الأنعام: 132].

والقول الأول هو الأظهر؛ لأن الإشارة تعود إلى أقرب مذكور. والله أعلم.

قوله تعالى: {وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [البقرة: 202]، أي: والله محصٍ للعمل بأسرع الحساب (?).

قال مجاهد: " سريع الإحصاء" (?).

قال محمد نووي الحاوي: فهو "سريع القبول لدعاء عباده والإجابة لهم وعالم بجملة سؤالات السائلين" (?).

قال الزمخشري: أي" يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب العباد، فبادروا إكثار الذكر وطلب الآخرة، أو وصف نفسه بسرعة حساب الخلائق على كثرة عددهم وكثرة أعمالهم ليدلّ على كمال قدرته ووجوب الحذر منه" (?).

قال الطبري: " وإنما وصف جل ثناؤه نفسه بسرعة الحساب، لأنه جل ذكره يُحصى ما يُحصى من أعمال عباده بغير عَقد أصابع، ولا فكرٍ ولا رَوية، فِعلَ العَجَزة الضَّعَفة من الخلق، ولكنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يَعزب عنه مثقال ذرة فيهما، ثم هو مُجازٍ عبادَه على كل ذلك. فلذلك امتدح نفسه جل ذكره بسرعة الحساب، وأخبر خلقه أنه ليس لهم بمِثْلِ، فيحتاجَ في حسابه إلى عَقد كف أو وَعْي صَدر" (?).

قال القرطبي: " إن الله سبحانه سريع الحساب، لا يحتاج إلى عد ولا إلى عقد ولا إلى إعمال فكر كما يفعله الحساب، ولهذا قال وقول الحق: {وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء: 47]، وقال رسول الله صلى الله عليه

طور بواسطة نورين ميديا © 2015