فإذا أتممتم عبادتكم، وفرغتم من أعمال الحج، فأكثروا من ذكر الله والثناء عليه، مثل ذكركم مفاخر آبائكم وأعظم من ذلك. فمن الناس فريق يجعل همه الدنيا فقط، فيدعو قائلا ربنا آتنا في الدنيا صحة، ومالا وأولادًا، وهؤلاء ليس لهم في الآخرة حظ ولا نصيب؛ لرغبتهم عنها وقَصْرِ هَمِّهم على الدنيا.

في سبب نزول الآية قولان:

أحدهما: روي عن مجاهد في قوله: " {فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا}، قال: "كانوا إذا قَضَوا مناسكهم وقفوا عند الجَمرة فذكروا آباءهم، وذكروا أيامهم في الجاهلية وفَعال آبائهم، فنزلت هذه الآية" (?).

والثاني: وقال الحسن: "كانت الأعراب إذا حدثوا وتكلموا يقولون: وأبيك إنهم لفعلوا كذا وكذا، فأنزل الله تعالى هذه الآية" (?).

قوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ} [البقرة: 200]، أي: " فإذا فرَغتم من حَجكم فذبحتم نَسائككم" (?).

قال الواحدي: " أي: إذا قضيتم عبادتكم التي أُمِرْتُم بها في الحج" (?).

قال الصابوني: " أي إذا فرغتم من أعمال الحج وانتهيتم منها" (?).

وفي (المناسك) ها هنا، تفسيران:

أحدهما: أنها الذبائح، وهذا قول مجاهد (?).

والثاني: ما أمروا بفعله في الحج، وهذا قول عطاء (?)، والحسن البصري (?).

قال القرطبي: "قيل: المناسك هي شعائر الحج، لقوله عليه السلام: "خذوا عني مناسككم" (?) (?).

و"قضيتم" هنا بمعنى أديتم وفرغتم، قال الله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ} [الجمعة: 10] أي أديتم الجمعة. وقد يعبر بالقضاء عما فعل من العبادات خارج وقتها المحدود لها" (?).

وقد ذكر إسماعيل بن أحمد النيسابوري (?) في (كتاب: الوجوه والنظائر): أن لفظة (قضى) في الكتاب العزيز جاءت على خمسة عشر وجهاً: منها (الفراغ)، وذلك مثل قوله تعالى {فَإذَا قَضَيتُم مَّنَاسِككُم} (?).

قوله تعالى: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْءَابآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً} [البقرة: 200]، أي: " فأكثروا ذكره وبالغوا في ذلك كما كنتم تذكرون آباءكم وتعدون مفاخرهم بل أشدّ" (?).

طور بواسطة نورين ميديا © 2015