قال الشيخ السعدي: " أي: ثم أفيضوا من مزدلفة من حيث أفاض الناس، من لدن إبراهيم عليه السلام إلى الآن، والمقصود من هذه الإفاضة كان معروفا عندهم، وهو رمي الجمار، وذبح الهدايا، والطواف، والسعي، والمبيت بـ "منى "ليالي التشريق وتكميل باقي المناسك" (?).
وقد اختلف أهل التفسير في المعني بالأمر بالإفاضة من حيث أفاض الناس؟ ومن {النَّاسُ} الذين أمروا بالإفاضة، وفيه قولان (?):
أحدهما: : أنها نزلت في قريش، وكانوا يسمون الحمس، لا يخرجون من الحرم في حجهم، ويقفون مزدلفة، ويقولون نحن من أهل الله، فلا نخرج من حرم الله، وكان سائر العرب يقفون بعرفات، وهي موقف إبراهيم عليه السلام، فأنزل الله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} يعني جميع العرب، وهذا قول عائشة (?)، وابن عباس (?)، وعروة (?)، ومجاهد (?)، وقتادة (?)، والسدي (?)، والربيع (?)، وعبدالله بن أبي نجيح (?).
والثاني: أنها أمر لجميع الخلق من قريش وغيرهم، أن يفيضوا من حيث أفاض الناس، يعني بالناس إبراهيم، وقد يعبر عن الواحد باسم الناس، قال الله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} [آل عمران: 173] وكان القائل واحداً، وهو نعيم بن مسعود الأشجعي، وهذا قول الضحاك (?).
والقول الأول أصح (?)، أي: " أنه عنى بهذه الآية قريش ومن كان متحمسا معها من سائر العرب، لإجماع الحجة من أهل التأويل على أن ذلك تأويله" (?).
قال ابن حجر: " الوقوف بعرفة موروث عن إبراهيم كما روى الترمذي (?) وغيره (?) من طريق يزيد بن شيبان (?) قال: ... كنا وقوفاً بعرفة فأتانا ابن مربع (?) فقال: "إني رسول الله إليكم، يقول لكم: كونوا على مشاعركم فإنكم من إرث إبراهيم ... الحديث"، ولا يلزم من ذلك أن يكون هو المراد خاصة بقوله: {مِن حَيثُ أَفَاضَ النَّاس} بل هو على الأعم من ذلك، والسبب فيه ما حكته عائشة-رضي الله عنها (?) " (?).
وذكروا لـ {ثُمَّ} في قوله تعالى {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة: 199]، وجهين (?):
أحدهما: ما قاله الضحاك من أن معناه: "ثم أفيضوا فانصرفوا راجعين إلى منى من حيث أفاض إبراهيم خليلي من المشعر الحرام، وسلوني المغفرة لذنوبكم، فإني لها غفور، وبكم رحيم" (?).
والثاني: {ثم أفيضوا} من عرفة إلى المشعر الحرام، فإذا أفضتم إليه منها، فاذكروا الله عنده كما هداكم.
وإن لأهل العلم في الإفاضة المذكورة في قوله-عز وجل-: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} قولان:
أحدهما: أنها الإفاضة من عرفة إلى مزدلفة، وقال به: عائشة (?)، وابن عباس (?)، وعروة (?)، ومجاهد (?)، وقتادة (?)، والسدي (?)، والربيع (?)، وغيرهم (?).
والثاني: أنها الإفاضة من مزدلفة إلى منى. قال به الضحاك (?) وقوم معه (?).
والراجح: قول الضحاك. والله أعلم.
قوله تعالى: {وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ} [البقرة: 199]، أي و"اطلبوا المغفرة من الله" (?).
قال الصابوني: " أي استغفروا الله عمّا سلف منكم من المعاصي" (?).
قال ابن عثيمين: " والمغفرة ستر الذنب، والتجاوز عنه؛ لأنها مأخوذة من المغفر الذي يوضع على الرأس عند القتال لتوقي السهام؛ وليست المغفرة مجرد الستر؛ بل هي ستر، ووقاية" (?).
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 199]؛ أي: " فإن الله عظيم المغفرة واسع الرحمة" (?).