المقصود، فكان اعتبار الأصالة والخلفية فيما هو المقصود أولى، وبعد هذا إجماع بينهم أن شرط الخلف انعدام الأصل في الحال على احتمال الوجود، فعند أبي حنيفة- رحمه الله- لما كانت الأصالة والخلفية في حق التكلم كان المنظور إليه والملتفت له تتبع صحة اللفظ وتصوره لغة من غير أن ينظر إلى صحته من حيث الشرع، فكان ذلك عنده كعمل الاستثناء، فإن الاستثناء تتبع صحته من حيث اللفظ على أن يكون عبارة عما وراء المستثنى، وإن لم يصادف أصل الكلام محلا صالحا له من حيث الحكم باعتبار أنه تصرف من المتكلم في كلامه، حتى إذا قال لامرأته: أنت طالق ألفا إلا تسعمائة تسعة وتسعين لم تقع إلى واحدة، ومعلوم أن المحل غير صالح لما صرح به، ومع ذلك كان الاستثناء صحيحا؛ لأنه تصرف من المتكلم في كلامه فهنا أيضا كذلك، وعندهما لما كان المجاز خلفا عن الحقيقة في حق إثبات الحكم كان المنظور إليه والملتفت له توهم صحة حكم الحقيقة، حتى يصير المجاز خلفا عنها في حق إثبات الحكم.
أما لو كان الحكم مستحيلا بمرة لا يمكن أن يجعل المجاز خلفا عن الحقيقة في إثبات الحكم، لأنه لا حكم للحقيقة أصلا، فكيف يصح المجاز عنه خلفا في إثبات الحكم المستحيل كما عند أبي حنيفة- رضي الله عنه- إن التكلم لما لم يصح لغة أصلا لا يصير مجازه خلفا عنه في التكلم؛ لأنه لم يصح تكلما، فكذا هنا.
ثم في قوله (لعبده وهو أكبر سنا منه: هذا ابني لا يعتق عندهما)؛ لأن حكم حقيقة كلامه ها هنا، وهو إثبات البنوة محال، والمجاز خلف عن الحقيقة في إيجاب الحكم، ففي كل موضع يصلح أن يكون السبب منعقدًا