وإنَّ الحَرامَ بَيِّنٌ، وبَينَهُما أُمُورٌ مُشْتبِهاتٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أي ظاهر وهو ما نص الله تعالى أو رسوله أو أجمع المسلمون على تحليله بعينه أو جنسه ومنه أيضاً ما لم يعلم فيه منع على أسهل القولين كما قال الفاكهاني والإتيان بأن في صدر الجملة وما بعدها لتنزيل السامع منزلة المتردد في أن الحلال والحرام بينان أم لا فأتى بهذا ليزول ذلك التردد عنه ويتحقق بيانهما بمعنى ظهورهما وانكشافهما. قوله: (وإن الحرام بين) وهو ما نص أو أجمع على تحريمه بعينه أو جنسه أو أن فيه حداً أو تعزيراً أو وعيداً، ثم التحريم إما لمفسدة أو مضرة خفية كالزنى أو لمفسدة أو مضرة جلية كالسم والخمر والحشيش والبنج، أو لأمر خارج لازم كما في الغصب والضرب وذلك اللازم هو الإيذاء. قوله: (وبينهما مشتبهات) أي بين البين من الحلال والحرام أمور أي شؤون وأحوال مشتبهات جمع مشتبه وهو كل ما ليس بواضح الحل والحرمة مما تنازعته الأدلة وتجاذبته المعاني والأسباب فبعضها يعضده دليل الحرام وبعضها يعضده دليل الحلال ومن ثم فسر أحمد وإسحاق وغيرهما المشتبه بما اختلف في حل أكله كالخيل أو شربه كالنبيذ أو لبسه كجلود السباع أو كسبه كبيع العينة وفسره أحمد مرة باختلاط الحلال والحرام وحكم هذا أنه يخرج قدر الحرام ويأكل الباقي عند كثيرين من العلماء سواء كثر الحرام أم قل ومن المشتبه معاملة من في ماله حرام فالورع تركها مطلقاً ثم الحصر في الثلاثة صحيح لأنه إن نص أو أجمع على الفعل فالحلال أو على المنع فالحرام أو سكت عنه أو تعارض فيه نصان ولم يعلم المتأخر منهما فالمشتبه وهذا أشكل الأنواع الثلاثة فلهذا بسط العلماء الكلام في بيانه وإيضاحه، وقد لخصه ابن حجر الهيتمي في شرح الأربعين بما حاصله أن الحلال المطلق ما انتفى عن ذاته الصفات المحرمة وعن أسبابه ما يجر إلى خلل فيه ومنه صيد احتمل أنه صيد وانفلت من صائده فليس هذا مشتبهاً فلا ورع في العمل بذلك الاحتمال لأنه هوس إذ لم يعتضد بشيء مع أن الأصل عدمه وإنما المشتبه الذي يتجاذبه سببان متعارضان يؤديان إلى وقوع