القول، بل حكم أهلُ الحديث بالتَّتبُّع التّام، والبحثِ الطويل، والنَّظرِ في الشَّواهد والتوابع والقرائن، وجمعِ الطرق أنَّ أهلَ العصرِ النَّبويِّ وتابعيهم وتابعي تابعيهم لم يكن فيهم من تَعَمَّد وَضْعَ الحديثِ زوراً إلى أيَّام بني العَبَّاس، وظهر ذلِكَ وظهر أهلُه، وقد نصَّ المنصورُ بالله عليه السَّلامُ على مثل كلامهم في أنَّه لا يُسألُ عن عدالة الثَّلاثَة القُرونِ الأُوَل، وأنَّ ذلك معلومٌ عندَ العلماء، بل صحَّت الأحاديثُ الكثيرةُ في ذلك بلفظ: " خَيْرُكُم القَرْنُ الَّذينَ بُعِثْتُ فيهِمْ، ثُم الذين يَلُونَهُمْ، ثمَّ الذين يَلُونهُمْ، ثُمَّ يَفْشُو الكذِبُ مِنْ بَعْدُ " (?)، واعتضَدَ هذا بِخِبْرة أهلِ الحديث لذلك وتتبُّعِهم (?) لِمَا صحت روايتهُ عَنْ أهلِ ذلك العصرِ محقِّهم ومبطِلِهم، والنظر فيما رَووْهُ وفي شواهده، وكُلُّ أهلِ فنٍّ أعرفُ بفنِّهم كما ذكرته فيما تقدَّم منْ هذا الكتاب.
ولهذه الأمورُ ترى كثيراً مِنْ أئمَّة العِترة وشيعتهم والسَّلَفِ يروون أحاديث هؤلاء كما يرويها أهلُ الحديث، منهم أبو عبد الرحمان النسائي في " سُننه " مع بغضه لمعاوية (?)، وكلامه عليه، حتَّى قُتِلَ في دمشق بسبب كلامهِ عليه، ومع ذلِكَ روى عنه في " سننه " غيْرَ حديثٍ، وكذا