مُضِلُّونَ، وأنه إن أَطَاعَهُمْ أَضَلُّوهُ بَيَّنَ أنه (جل وعلا) عَالِمٌ بمن سبقَ له الضلالُ في الأزلِ، وَمَنْ سَبَقَ له الْهُدَى في الأزلِ، فَيُيَسِّرُ كُلاًّ منهما لِمَا خَلَقَهُ له؛ لأن أصحابَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا سألوه وقالوا: هذه الأعمالُ التي نَسْعَى لها وجزاؤُها وما نصيرُ إليه، هَلْ هو أمرٌ مُؤتَنَفٌ، أو أمر قُضِيَ وَكُتِبَ وَفُرِغَ منه؟ فَلَمَّا بَيَّنَ لهم أن اللَّهَ قَدَّرَ ما سَيَكُونُ، قالوا: أَفَلاَ نَتَّكِلُ على الكتابِ السابقِ، ونتركُ العملَ؟ فَمَنْ قَدَّر اللَّهُ له الجنةَ لابدَّ أن يدخلَها، وَمَنْ قَدَّرَ له النارَ لابدَّ أن يدخلَها؟ فَأَخْبَرَهُمْ - صلى الله عليه وسلم - أن كُلاًّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ له (?). فهو يخلقُ الخلقَ وَيَجْبُلُهُمْ على ما يشاءُ، مِنْ خُبْثٍ وطِيبٍ ثم يُيَسِّرُ كلاًّ لِمَا خَلَقَهُ له: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُم مُّؤْمِنٌ} [التغابن: آية 2] {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} [الشورى: آية 7] {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} [هود: آية 105] فهو (جل وعلا) يخلقُ الناسَ وَيُيَسِّرُ كُلاًّ لِمَا خلقه له من خيرٍ أو شَرٍّ: {وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [الأنعام: آية 117] الذي سَبَقَ له الْهُدَى في الأزلِ فَيُيَسِّرُهُ لِلْهُدَى.
وأعلمُ بالمعتدِي الضالِّ الذي سَبَقَ له الضلالُ في الأزلِ فييسره لِلْعُسْرَى - والعياذُ باللَّهِ- كما قال: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10)} [الليل: الآيات 5 - 10] وَلِذَا قال هنا: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117)} (أعلم) هنا ليست في معنَى صيغةِ التفضيلِ، بل هي هنا بمعنَى الوصفِ (?)؛ لأن صيغةَ التفضيلِ لابدَّ أَنْ يشتركَ فيها المُفَضَّلُ والمُفَضَّلُ عليه في نفسِ المصدرِ، ثم يكونُ المُفَضَّلُ أكثرَ فيه من المُفَضَّلِ عليه (?)، فإذا قلتَ: «زَيْدٌ أعلمُ