بِأَنْ تَغْتَزُوا قَوْمِي وَأَقْعُدَ فِيكُمُ ... وَأَجْعَلَ مِنِّي الظَّنَّ غَيْبًا مُرَجَّمَا
يعني: أجعل مني اليقين غَيْبًا مُرَجَّمًا.
ومن إطلاقِ (الظنِّ) في كلامِ العربِ بمعنَى (الشكِّ) قولُ طَرَفَةَ بنِ العبدِ (?):
وأعْلَمُ عِلْمًا لَيْسَ بِالظَّنِّ أَنَّهُ ... إِذَا ذَلَّ مَوْلَى الْمَرْءِ فَهْوَ ذَلِيلُ
فقولُه: «ليس بالظنِّ»: ليس بالشكِّ. هذه إطلاقاتُ (الظنِّ) في القرآنِ وفي لغةِ العربِ، والمرادُ بالظنِّ في الآيةِ: الشكُّ. والمعنَى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ} [الأنعام: آية 116] أي: ما يَتَّبِعُونَ إلا الشكَّ حيث قَلَّدُوا آباءَهم في أَمْرِ جهلٍ لا يعلمونَ حقيقتَه: {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} يكذبون؛ لأن الخرصَ الحَزْرُ والتخمينُ من غيرِ معرفةِ الحقيقةِ، ومن هنا أُطْلِقَ على الكذبِ (?)، كقولِه: {قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (10)} [الذاريات: آية 10] أي: لُعِنَ الكَذَّابون. وقولُه هنا: {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} [الأنعام: آية 116] أي: مَا هُمْ إلا يكذبونَ في قولِهم: إِنَّ الميتةَ حلالٌ؛ لأنها ذبيحةُ اللَّهِ، وفي ادعائِهم الشركاءَ والأولادَ لِلَّهِ - سبحانَه وتعالى عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا- {وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ} [يونس: آية 66] أي: لاَ يتبعونَ شركاءَ في نفسِ الأمرِ، ولا في الحقِّ، إن يتبعونَ إلا ظَنًّا.
{إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117)} [الأنعام: آية 117] لَمَّا بَيَّنَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ أن أكثرَ أهلِ الأرضِ ضَالُّونَ