وقولُه: {الْمُمْتَرِينَ (94)} هو جمعُ الْمُمْتَرِي. والممتريُ: اسمُ فاعلِ امْتَرَى، يَمْتَرِي، فهو مُمْتَري: إذا كان شَاكًّا (?). وأصلُه: (ممتريُ) من المِرْيَة، والمِرْيَةُ: الشكُّ.
[ومعلومٌ أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَكُنْ شَاكًّا فيما أَوْحَى اللَّهُ إليه، وإنما هذا كقولِه: {وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (24)} [الإنسان: آية 24] وكقولِه: {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ (14)} [الأنعام: آية 14] وكقولِه: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ} [الأحزاب: آية 1] ولاَ يَخْفَى أن رسولَ اللَّهِ صلواتُ اللَّهِ] (?) وسلامُه عليه أنه مُتَّقٍ لله وأنه لا يطيعُ منهم آثِمًا ولا كَفُورًا، وأنه لا يشركُ. وقد قَدَّمْنَا مِرَارًا (?)
أنه جَرَتَ العادةُ في القرآنِ أن اللَّهَ (جل وعلا) يأمرُ نَبِيَّهُ - صلى الله عليه وسلم - وَيَنْهَاهُ ليُشرِّعَ ذلك الأمرَ والنهيَ لأُمَّتِهِ على لسانِه - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه هو القدوةُ لَهُمْ، المُشَرِّعُ لهم بقولِه وفعلِه وتقريرِه، وَمِنْ أَكْبَرِ الأدلةِ على ذلك: هو ما قَدَّمْنَا في آيةِ بنِي إسرائيلَ، وهي قولُه: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا} [الإسراء: آية 23] هذا خطابٌ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - على التحقيقِ؛ لأن كُلَّ الخطاباتِ في الآياتِ له، يقولُ له اللَّهُ: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ} يعني: إِنْ يَبْلُغْ عندَك والداك الكبرَ أو أحدُ وَالِدَيْكَ {فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ} ومعلومٌ أن وقتَ نُزُولِهَا أن وَالِدَيْهِ قد مَاتَا مِنْ زَمَانٍ؛ لأن أباه مَاتَ وهو حَمْلٌ، وأمُّه مَاتَتْ وهو (صلواتُ الله عليه