وحديثُ أبي ذَرٍّ هذا جاءَ من طُرُقٍ متعددةٍ، لا يَخْلُو بعضُها من مقالٍ، إلا أن مجموعَها يُقَوِّي بعضُها بعضًا، ويدلُّ على أن الحديثَ له قوةٌ وأصلٌ. وعلى هذا القولِ فأعداءُ الرسلِ شياطينُ على نَوْعَيْنِ: شياطينُ من العتاةِ الكفرةِ من الإنسِ، وشياطينُ عتاةٌ كفرةٌ من الجنِّ، كلهم أعداءُ الرسلِ. وهذا القولُ الصحيحُ.
وقال بعضُ العلماءِ: المرادُ به أن أعداءَ الرسلِ شياطينُ، إلا أن هؤلاء الشياطينَ منهم شياطينُ يضللونَ الإنسَ، ومنهم شياطينُ يُضَلِّلُونَ الجنَّ. وَرُوِيَ هذا عن جماعةٍ من العلماءِ، وجاء فيه حديثٌ ضعيفٌ.
قال بعضُ العلماءِ: إن إبليسَ يُفَرِّقُ الشياطينَ يُضَلِّلُونَ الجنَّ، ويضللونَ الإنسَ، فللإنسِ شياطينُ يضللونهم، وللجنِّ شياطينُ يضللونهم. قالوا: فيجتمعونَ، فيقولُ بعضٌ لبعضٍ: أنا أَضْلَلْتُ صَاحِبي بكذا وكذا فَضَلَّ، فاسْتَعْمِلْ هذا الذي أضللتُ به صاحبي لِتُضِلَّ به صاحبَك.
هذا وجهٌ في الآيةِ. والقولُ الأولُ أظهرُ للحديثِ المذكورِ.
وقولُه: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} {يُوحِي} مضارعُ (أَوْحَى، يُوحي، إيحاءً)، والوحيُ في لغةِ العربِ: يُطْلَقُ على كل شيء يُلْقَى في سرعةٍ وخفاءٍ (?). فَكُلُّ ما ألقيتَه في سرعةٍ وخفاءٍ فقد أوحيتَ به. ومن هنا كان الوحيُ يُطْلَقُ على الإشارةِ، وَيُطْلَقُ على الكتابةِ، وُيطلق على الإلهامِ، ويطلقُ على ما يُلْقِيهِ الإنسانُ لصاحبِه