ثم قال: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} وهذه الآيةُ تَدُلُّ على أن الكفارَ يُمْنَعُونَ من الإتيانِ إلى الحرمِ لأن أهلَ مكةَ كانوا في الموسمِ تَحُجُّ إليهم قبائلُ العربِ من أقطارِ الدنيا فيأتونَ بالأموالِ والطعامِ يبيعونَها، فَلَمَّا مُنِعُوا من أن يَحُجُّوا، وَأُمِرَ المشركونَ بتجنبِ الحرمِ، قالوا: مِنْ أينَ نعيشُ؟ كنا نعيشُ مما يأتِي به هؤلاء في مواسمِهم فإنا سَنَفْتَقِرُ، ولن يبقَى لنا شيءٌ نعيشُ به إن مُنِعَ هؤلاء من القدومِ علينا؛ لأنا كنا نعيش بما يُورِدُونَهُ من الأطعمةِ والأموالِ ونحوِ ذلك. فقال لهم اللَّهُ: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً} {خِفْتُمْ} من الخوفِ. أصلُ {خِفْتُمْ} مِنْ خَافَ يَخَافُ.

هذه المادةُ فاؤُها خاءٌ، وعينها واوٌ، ولامُها فَاءٌ، وقد يُشْكِلُ على طالبِ العلمِ مِنْ أينَ جاءت هذه الكسرةُ التي كُسِرَ بها الخاءُ في قولِه: {خِفْتُمْ} مع أن المادةَ من الأجوفِ الواويِّ العينِ. فسببُ كسرِ الخاءِ من قولِه: {خِفْتُمْ} أن مَاضِيَ (خَافَ) أصلُه (خَوِف) بكسرِ الواوِ، قُلِبَتِ الواوُ أَلِفًا فقيلَ فيه: (خاف) والواوُ المبدلةُ من الألفِ أصلُها مكسورةٌ، فإذا بُنِيَ الفعلُ إلى ضميرِ الرفعِ كالتاءِ هنا سَقَطَتِ العينُ بالاعتلالِ وَجُعِلَتْ كسرةُ الواوِ الساقطة بالاعتلالِ نُقِلَتْ إلى الفاءِ ليدلَّ على أن العينَ كانت مكسورةً كما هو مُقَرَّرٌ معلومٌ في فنِّ التصريفِ (?).

وقد ذَكَرْنَا (?) أن الخوفَ في لغةِ العربِ هو الغَمُّ من أمرٌ مُسْتَقْبَلٌ. وأن الحزنَ هو الغمُّ من أمرٍ فائتٍ. وربما أَطْلَقَتِ العربُ أحدَهما في موضعِ الآخَرِ كما هو مَعْرُوفٌ.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015