القلوب يدل كما ذكرنا مرارًا (?) على أن مركز العقل هو القلب لا الدماغ كما يقوله الإفرنج، ومما يؤسفنا أن عامة المسلمين لا يكاد في الوقت الحاضر- لجهلهم - لا يكاد يختلف من عامتهم اثنان في أن العقل في الدماغ. ويقولون: هذا ليس له مخ. يعنون: ليس له دماغ، قاطعين بأن العقل في الدماغ، والله يصرح بأن العقل في القلب. ولا شك أن الذي خلق نور العقل وجعله في العبد ونوَّره به هو أعلم بالموضع الذي وضعه فيه مِنْ كَفَرَةِ الإفْرِنْج -قبَّحهم الله- ومن فلسفتهم الكاذبة. فالذي يقول: ليس الفقه في القلوب كالذي يقول: ليس الإبصار بالعيون، وليس السماع بالآذان؛ لأن الله قال: {قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا} {أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا} {آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا} فدل على أن الإبصار بالعين، والسماع بالأذن، والفقه بالقلب.
وهذا أمر معروف لا تكاد تحصي الآيات الدالة عليه في القرآن؛ ولذا قال تعالى: {قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا} الله (جل وعلا) نفى عنهم الفقه بتاتًا. أي: الفهم، ونفى عنهم الإبصار، ونفى عنهم السماع، والمراد بهذا كما دلت عليه آيات كثيرة من كتاب الله: أن الفقه المنفي هو الفقه عن الله النافع الذي يوصل لطاعة الله والإيمان به، والإبصار المنفي: هو إبصار الآيات النافع الذي يرشد صاحبه إلى الإيمان، والسماع المنفي: هو السماع النافع الذي يسمع صاحبه به ما ينفعه. وهذا أسلوب من أساليب اللغة العربية؛ لأن القرآن العظيم نزل بلسان عربي مبين، ومن أساليب اللغة العربية: أنهم يطلقون الصمم على السماع الذي لا جدوى فيه،