والسبب كان خاصّاً فالعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، هذا هو الحق الذي عليه جماهير العلماء، وعليه عامة الأصوليين إلا مَنْ شَذَّ (?).
والدلالة على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب تفهم من نصوص الوحي، ومن اللغة العربية (?). أما نصوص الوحي فقد دلت على ذلك أحاديث صحيحة تدل على أن العِبْرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما يدل عليه استقراء القرآن، وتدل عليه اللغة العربية أيضاً. فمن الأحاديث الدالة على ذلك: قصة الأنصاري المشهورة التي ذكرها الله في سورة هود، وسيأتي إيضاحها، وضابطها: أن أنصاريّاً كان تمَّاراً فجاءته امرأة تريد أن تبتاع منه تمراً فأُعجب بجمالها فقال لها: إن في البيت تمراً أجود من هذا، فلما دخلت في البيت تظن أنه يبيعها التمر الأجود كان بينه وبينها ما لا ينبغي أن يكون بين رجل وغير زوجته، إلا أنه لم يقع بينهما ما يستوجب الحد، فكان شيء مثل التقبيل والضم ونحوه، ثم بعد ذلك ندم ذلك الأعرابي وسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فَأَنْزَلَ اللهُ فيه آية مدنية في سورة مكية، وهي قوله تعالى في سورة هود: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ} يعني كالصلوات الخمس التي يقيمها في الجماعات {يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: آية 114] أي: يغفر الله بهن تلك الذنوب، كتقبيل تلك الأجنبية، ثم إن ذلك الرجل لما نزلت فيه الآية وقرأها النبي صلى الله عليه وسلم سأل ذلك الأنصاريُّ وقال له: يا رسول الله ألي هذا خاصة؟ وسؤال الأنصاري - هذا - مقتضاه: أيختص حكم هذه الآية بي لأنني سبب نزولها، أم العبرة بعموم لفظ {إِنَّ الْحَسَنَاتِ