وإلمام بِمذهب أهل الْكتاب حَتَّى كَانَ يتَرَدَّد إِلَيْهِ أفاضلهم للاستفادة مِنْهُ مَعَ حسن الْخلق وكرم الْعَهْد وَكَثْرَة التَّوَاضُع وعلو الهمة لمن يَقْصِدهُ والمحبة فِي المذاكرة والمداومة على التَّهَجُّد والأوراد وَحسن الصَّلَاة ومزيد الطُّمَأْنِينَة فِيهَا والملازمة لسننه حَتَّى أَن بعض الرؤساء فِيمَا بَلغنِي عَتبه على انْقِطَاعه عَنهُ فَأَنْشد قَول غَيره:

(قَالَت الأرنب اللفوت كلَاما ... فِيهِ ذكرى لتفهم الْأَلْبَاب)

(أَنا أجري من الْكلاب وَلَكِن ... خير يومي أَن لَا تراني الْكلاب)

وَلَو أنْشدهُ قَول ابْن الْمُبَارك:

(قد أَرحْنَا وَاسْتَرَحْنَا ... من غدو ورواح)

(واتصال بلئيم ... أَو كريم ذِي سماح)

(بعفاف وكفاف ... وقنوع وَصَلَاح)

(وَجَعَلنَا الْيَأْس مفتاحا ... حا لأبواب النجاح)

لَكَانَ أحسن، والخبرة بالزايرجة والاصطرلاب والرمل والميقات بِحَيْثُ أَنه أَخذ لِابْنِ خلدون طالعا وَالْتمس مِنْهُ تعْيين وَقت ولَايَته فَيُقَال أَنه عين لَهُ يَوْمًا فَكَانَ كَذَلِك وعد من النَّوَادِر كل ذَلِك مَعَ تبجيل الأكابر لَهُ إِمَّا مداراة لَهُ خوفًا من قلمه أَو لحسن مذاكراته، وَقد حدث بِبَعْض تصانيفه ومروياته بِمَكَّة والقاهرة سمع مِنْهُ الْفُضَلَاء وَأخْبر أَنه سمع فضل الْخَيل للدمياطي على أبي طَلْحَة الحراوي مرَّتَيْنِ فاعتمدوا إخْبَاره بذلك وَقُرِئَ عَلَيْهِ مرّة بل كتب بِخَطِّهِ قبيل مَوته بِسنة أَنه لَا يعلم من يُشَارِكهُ فِي رِوَايَته، وَرَأَيْت بِخَط صاحبنا النَّجْم بن فَهد أَنه حضر فِي الرَّابِعَة على الحراوي وَمَا علمت مُسْتَنده فِي ذَلِك. وَقد تَرْجمهُ شَيخنَا فِي مُعْجَمه بقوله وَله النّظم الْفَائِق والنثر الرَّائِق والتصانيف الباهرة وخصوصا فِي تَارِيخ الْقَاهِرَة فَإِنَّهُ أَحْيَا معالمها وأوضح مجاهلها وجدد مآثرها وَترْجم أعيانها. وَلكنه لم يُبَالغ فِي أنبائه لهَذَا الْحَد بل قَالَ وأولع)

بالتاريخ فَجمع مِنْهُ شَيْئا كثيرا وصنف فِيهِ كتبا وَكَانَ لِكَثْرَة ولعه بِهِ يحفظ كثيرا مِنْهُ قَالَ وَكَانَ حسن الصُّحْبَة حُلْو المحاضرة. وَقَالَ الْعَيْنِيّ كَانَ مشتغلا بِكِتَابَة التواريخ وبضرب الرمل تولى الْحِسْبَة بِالْقَاهِرَةِ فِي آخر أَيَّام الظَّاهِر يَعْنِي برقوق ثمَّ عزل بمسطره ثمَّ تولى مُدَّة أُخْرَى فِي أَيَّام الدودار الْكَبِير سودون ابْن أُخْت الظَّاهِر عوضا عَن مسطره بِحكم أَن مسطره عزل نَفسه بِسَبَب ظلم سودون الْمَذْكُور. وَقَالَ ابْن خطيب الناصرية فِي تَرْجَمَة جده: وَهُوَ جد الإِمَام الْفَاضِل المؤرخ تَقِيّ الدّين وَقَالَ غَيره جمع كتابا فِيمَا شَاهده وسَمعه مِمَّا لم يَنْقُلهُ من كتاب وَمن أعجب مَا فِيهِ أَنه كَانَ فِي رَمَضَان سنة إِحْدَى وَتِسْعين مارا بَين القصرين فَسمع الْعَوام يتحدثون أَن الظَّاهِر برقوق خرج من

طور بواسطة نورين ميديا © 2015