وفي شعر الصعاليك أحاديث كثيرة عن الصحراء، وفخر عريض بمعرفة أسرارها، والاهتداء في مجاهلها، كما ترى في تلك الأبيات الرائية التي يرويها الأصمعي لتأبط شرا، والتي يتحدث فيها عن اهتدائه إلى شعب في أعماق الصحراء المجهولة بصعاليكه دون أن يهديه إليه دليل أو يصفه له خبير1، وكما نرى في هذه الأبيات القوية من لامية العرب:

وخرق كظهر الترس قفر قطعته ... بعاملتين، ظهره لي يعمل

وألحقت أولاه بأخراه موفيا ... على قنة أُقعي مرارا وأمثل

ترود الأراوي الصحم حولي كأنها ... عذارى عليهن الملاء المذيل

ويركدن بالآصال حولي كأنني ... من العصم أدفى ينتحي الكيح أعقل2

فالشاعر في هذه الأبيات يصف الصعلوك بأنه يخترق الصحراء النائية الخالية التي لا يطرقها أحد، معتمدا في اختراقها على رجليه القويتين السريعتين، حتى يصل إلى منازل الوعول البعيدة التي لم تعد تنكره، لكثرة ما خالطها، حتى كأنه واحد منها.

والناظر في أخبار هؤلاء الصعاليك، المتتبع لظروف نشأتهم وحياتهم، يستطيع أن يلاحظ في وضوح ثلاث طوائف مختلفة تتألف منها عصاباتهم:

طائفة "الخلعاء والشذاذ" الذين أنكرتهم قبائلهم، وتبرأت منهم، وطردتهم من حماها، وقطعت ما بينها وبينهم من صلة، وتحللت بهذا من العقد الاجتماعي الذي يربط بينها وبينهم، والذي يصوره المثل العربي القديم "في الجريرة تشترك العشيرة"3، فأصبحت لا تحتمل لهم جريرة، ولا تطالب

طور بواسطة نورين ميديا © 2015