مُدَّة وَعجب النَّاس من ذَلِك أَشد الْعجب إِذْ كَانُوا يرَوْنَ الْفَقِيه لَو تعرض عَلَيْهِ الْخلَافَة لأعرض عَنْهَا وَعَلمُوا أَن ذَلِك سَلامَة بَاطِن مِنْهُ واستدراج من الْفَقِيه أبي بكر وَلم يزل على تدريس الْمدرسَة الْمَذْكُورَة حَتَّى توفّي مستهل الْحجَّة من سنة ثَمَانِينَ وسِتمِائَة بعد بُلُوغ عمره أَرْبعا وَخمسين سنة

وَمِنْهُم أَبُو الْخطاب عمر بن سعيد بن مُحَمَّد بن عَليّ الربيعي الكعومي الجميلي مولده على رَأس سِتّمائَة وَكَانَ فَقِيها مُحدثا أَخذ عَن أَخِيه لأمه عَليّ بن عمر مقدم الذّكر وَعَن غَيره من الْعلمَاء الَّذين يجْتَمع مَعَهم بِصَنْعَاء وَغَيرهَا من بِلَاد الْيمن عرضت ولَايَته لقَضَاء صنعاء حِين عزل أَخُوهُ نَفسه وَاعْتذر وَكَانَ من أفْصح النَّاس الْخطْبَة وَأَحْسَنهمْ رِوَايَة للْحَدِيث وَالتَّفْسِير وَمَتى حضر مَجْلِسا لم يبْق لأحد فِيهِ قدر يتَكَلَّم بِشَيْء دونه وَكَانَ حَافِظًا للفقه وَالتَّفْسِير لَدَيْهِ معرفَة بالفقه لائقة وَكتب إِلَى المستعصم آخر خَليفَة بِبَغْدَاد يسْأَله أَن يَأْذَن لَهُ فِي الحكم بِصَنْعَاء ونواحيها فوصله خطه بذلك فَكَانَ القَاضِي الْبَهَاء لَا حكم لَهُ فِي شَيْء من تِلْكَ النواحي من رَأس نقِيل صيد حَتَّى تجَاوز عمل السُّلْطَان المظفر إِلَى خلف صنعاء فَكَانَت بَينهمَا بذلك مكارهة وَكَانَ يهم بحرقه وَكسر حرمته فَلم يسْتَطع ذَلِك وَكَانَ هَذَا القَاضِي مَعَ اشْتِغَاله بِالْقضَاءِ راتبه كل يَوْم ثلث الْقُرْآن وَكَانَ رزقه على الْقَضَاء ورزق حكام الْجِهَة من الْجِزْيَة وَلم يزل على ذَلِك إِلَى أَن توفّي فَلذَلِك صَار مُنْذُ توفّي آمُر الْجِزْيَة يسْتَند عَلَيْهِ الْقُضَاة الأكابر كقضاء الْقُضَاة والوزراء إِلَى عصرنا وَكَانَ حسن السياسة أَحْكَامه كَمَا شَرط لينًا من غير ضعف قَوِيا من غير عنف مَعَ كَثْرَة صِيَام وَقيام وَكَانَ متعصبا للسّنة مجانبا لأهل الْبِدْعَة وَكَانَ المظفر يعظمه ويجله وَبِذَلِك عجز القَاضِي الْبَهَاء عَن إِسْقَاطه وَلم تزل جِزْيَة الْيَهُود وجامكية من جَاءَ مَعَه إِلَى أَن هلك فَأخذ بَنو عمرَان الْجِزْيَة إِلَيْهِم وَجعلُوا لحَاكم كل بلد جامكية من الْوَقْف وَرُبمَا جَعَلُوهُ من مَال الدِّيوَان واستمروا على ذَلِك هم وكل وَزِير جَاءَ بعدهمْ فَصَارَ الْحُكَّام هُنَالك يَأْخُذُونَ مَا لَا يحل لَهُم وَيمْنَعُونَ مَا هُوَ لَهُم حَلَال فَهَذِهِ سنة رتبها بَنو عمرَان غَالِبا واحترزت

طور بواسطة نورين ميديا © 2015