الخاطئين. فقال له جبريل: يا طاهر يا ابن الطاهرين يقرأ عليك السلام رب العالمين ويقول لك: أما استحييت مني واستشفعت للآدميين فوعزتي لالبثنك في السجن بضع سنين. قال يوسف: وهو في ذلك عني راض؟ قال: نعم. قال: إذاً لا أبالي. وقال كعب: قال جبريل ليوسف: إنّ الله تعالى يقول لك: من خلقك؟ قال: الله. قال: فمن علمك تأويل الرؤيا؟ قال: الله. قال: فمن حببك إلى أبيك؟ قال: الله. قال: فمن أنجاك من كرب البئر؟ قال: الله تعالى. قال فمن صرف عنك السوء والفحشاء؟ قال: الله. قال: فكيف استشفعت بآدمي مثلك؟.
قال محمد بن عمر الرازيّ في تفسيره: والذي جربته من أوّل عمري إلى آخره أنّ الإنسان كلما عوّل في أمر من الأمور على غير الله تعالى صار ذلك سبباً للبلاء والمحنة والشدّة والرزية، وإذا عول على الله تعالى ولم يرجع إلى أحد من الخلق حصل ذلك المطلوب على أحسن الوجوه، فهذه التجربة قد استمرّت لي من أوّل عمري إلى هذا الوقت الذي بلغت إلى السابع والخمسين، فعند ذلك استقرّ قلبي على أنه لا مصلحة للإنسان في التعويل على شيء سوى فضل الله تعالى وإحسانه. ولما دنا فرج يوسف عليه السلام رأى ملك مصر الأكبر الريان بن الوليد رؤيا عجيبة هائلة، كما قال تعالى:
{وقال الملك إني أرى} ، أي: رأيت عبر بالمضارع حكاية للحال لشدّة ما هاله من ذلك {سبع بقرات سمان} ، أي: خرجن من نهر يابس، والسمن زيادة البدن من الشحم واللحم وسمان جمع سمينة، ويجمع سمين أيضاً عليه يقال: رجال سمان ونساء سمان كما يقال: رجال كرام ونساء كرام {يأكلهنّ} ، أي: يبتلعهنّ {سبع} ، أي: من البقر {عجاف} جمع عجفاء، أي: مهازيل خرجن من ذلك النهر.
تنبيه: جمع عجفاء على عجاف، والقياس عجف نحو حمراء وحمر حملاً له على سمان؛ لأنه نقيضه، ومن دأبهم حمل النظير على النظير والنقيض على النقيض {و} إني أرى {سبع سنبلات خضر} ، أي: قد انعقد حبها {و} إني أرى سبع سنبلات {أخر يابسات} ، أي: قد أدركت، فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها وإنما استغنى عن بيان حالها بما نص من حال البقرات، والسنبلة نبات كالقصبة فيها جملة حبوب منتظمة، فكأنه قيل: فكان ماذا؟ فقيل: قال الملك بعد أن جمع السحرة والكهنة والمعبرين {يا أيها الملأ} ، أي: الأشراف النبلاء الذين تملأ العيون مناظرهم والقلوب مآثرهم {أفتوني في رؤياي} ، أي: أخبروني بتأويلها {إن كنتم للرؤيا تعبرون} ، أي: إن كنتم عالمين بعبارة الرؤيا فاعبروها.
تنبيه: اللام في للرؤيا مزيدة فلا تعلق لها بشيء، وزيدت لتقدّم المعمول تقويةً للعامل كما زيدت إذا كان العامل فرعاً كقوله تعالى: {فعال لما يريد} (البروج، 16) ولا تزاد فيما عدا ذينك إلا ضرورة، وقيل: ضمن تعبرون معنى ما يتعدّى باللام تقديره: إن كنتم تنتدبون لعبارة الرؤيا، وقيل: متعلقة بمحذوف على أنها للبيان كقوله تعالى: {وكانوا فيه من الزاهدين} (يوسف، 20) تقديره: أعني فيه، وكذلك هذا تقديره: أعني للرؤيا، وعلى هذا يكون مفعول تعبرون محذوفاً تقديره تعبرونها، وفي الآية ما يوجبه حال العلماء من حاجة الملوك إليهم فكأنه قيل: فما قالوا؟ فقيل:
{قالوا} هذه الرؤيا {أضغاث} ، أي: أخلاط {أحلام} مختلطة مختلفة مشتبهة جمع ضغث بكسر الضاد وإسكان الغين المعجمة، وهي قبضة حشيش مختلطة الرطب باليابس، والأحلام جمع حلم بضم الحاء وإسكان اللام وضمها، وهو الرؤيا فقيدوها بالأضغاث، وهو ما يكون من الرؤيا باطلاً