الرسائل للجاحظ (صفحة 1423)

منها: أن الصحابة الذين شهدوا نزول الفرائض، والتابعين من بعدهم، لم يختلفوا في قاذف المحصنين أن عليه الحد، واختلفوا في الأشربة التي تسكر، ليس لجهلهم أسماء الخمور ومعانيها، ولكن للأخبار المروية في تحريم المسكر، والواردة في تحليلها.

ولو كانت الأشربة كلها عند أهل اللغة في القديم خمراً لما احتاجوا إلى أهل الروايات في الخمر، أي الأجناس من الأشربة هي؟ كما لم يخرجوا إلى طلب معرفة العبيد من الإماء.

وهذا باب يطول شرحه إن استقصيت جميع ما فيه من المسألة والجواب.

وما ينكر من خالفنا في تحليل الأنبذة مع إقراره أن الأشربة المسكرة الكثيرة لم تزل معروفة بأسمائها وأعيانها، وأجناسها وبلدانها، وأن الله تعالى قصد للخمر من بين جميعها فحرمها، وترك سائر الأشربة طلقاً مع أجناس سائر المباح.

والدليل على تجويز ذلك أن الله تعالى ما حرم على الناس شيئاً من الأشياء في القديم والحديث إلا أطلق لهم من جنسه، وأباح من سنخه ونظيره وشبهه، ما يعمل مثل عمله أو قريباً منه، ليغنيهم بالحلال عن الحرام. أعني ما حرم بالسمع دون المحرم بالعقل. قد حرم من الدم المسفوح، وأباح غير المسفوح، كجامد دم الطحال والكبد وما أشبههما

طور بواسطة نورين ميديا © 2015