الرسائل للجاحظ (صفحة 1348)

فصل منها

وقد تنقسم المودة إلى ثلاث منازل: منها: ما يكون على اهتزاز الأريحية وطبع الحرية.

ومنها: ما يكون على قدر فرط وسائل الفاقة ومنها: مايحسن موقعه على قدر طباع الحرص وجشع النفس.

فأرفعها منازل حب المشغوف شكر النعمة. وهو الذي يدوم شكره، ويبقى على الأيام وده. والثاني هو الذي إنما اشتد حبه على قدر موضع المال من قلب الحريص الجشع، واللئيم الطمع. فهذا الذي لا يشكر، وإن شكر لم يشكر إلا ليستزيد، ولم يمدح إلا ليستمد. وعلى أنه لا يأتي الحمد إلا زحفاً، ولا يفعله إلا تكلفاً.

وأنا أسأل الله الذي قسم له أفضل الحظوظ في الإنعام، أن يقسم لنا أفضل الحظوظ في الشكر. وما غاية قولنا هذا ومدار أمرنا إلا على طاعة توجب الدعاء، وحرية توجب الثناء، شاكرين كنا أو منعمين، وراجين كنا أو مرجوين.

ومن صرف الله حاجته إلى الكرام، وعدل به عن اللئام فلا يعدن نفسه في الراغبين ولا في الطالبين المؤملين، لأن من لم يجرع مرارة المطال، ولم يمد للرحيل التسويف، ويقطع عنقه بطول الانتظار،

طور بواسطة نورين ميديا © 2015