فاكتسب الجاه والرفعة، ولم يبعد في ذلك من التهافت في الترقي لبعد الهمة، فهوى عما قليل إلى عبادٍ صاحب إشبيلية، اجتذبه إلى ذلك فهاجر عن وطنه إليه، ونزل في كنفه، وصار من خواصه وصحابته، يجالسه في خلواته، ويسفر له في معهم رسائله على حال من التوسعة. وكان ذهابه إلى عباد سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، [فخلا بالحضرة مكانه، وكثر الأسف عليه انتهى كلام ابن حيان] .
قلت: فأما سعة ذرعه، وتدفق طبعه؛ وغزارة بيانه، ورقة حاشية لسانه، فالصبح الذي لا ينكر ولا يرد، والرمل الذي لا يحصر ولا يعد.
أخبرني من لا أدفع خبره من وزراء إشبيلية قال: لعهدي بأبي الوليد قائماً على جنازة بعض حرمه، والناس يعزونه على اختلاف طبقاتهم، فما سمع يجيب رجلاً منهم بما أجاب به آخر، لحضور جنانه، وسعة ميدانه.
وقد أخرجت من أشعاره التي هي حجول وغرر، ونوادر أخباره التي هي مآثر وأثر، ورسائله التي أخرست ألسنة الحفل، [واستوفت أمد المنطق الجزل، ما يسر الآداب ويصورها، ويستخف الألباب ويستطيرها]