هذا الشان، وأحد من نظم قلائد الآداب، وجمع أشتات الصواب، وتلاعب بالمنظوم والموزون، [تلاعب] الرياح بأعطاف الغصون، وبينه وبين أبي علي ابن رشيق ماج بحر البراعة ودام، ورجع نجم هذه الصناعة واستقام، وذهبا من المناقضة مذهباً تنازعاه شراً طويلاً، وخلناه ذكراً محمولاً، واحتملاه - إن لم يسمح الله - وزراً ثقيلاً. وكان أبو علي أوسعهما نفسا، وأقربهما ملتمسا، ولابن شرف أصالة منزعة، وجلالة [77] مقطعه، ومتانة لفظه، وسعة حفظه، فتسمع بشعره ملآن من وعوعة وجعجعة، ولكن ما أبعد ما يرومه وأبدعه! وسال سيل فتنة القيروان، اللاعب بأحرارها، المعفي على آثارها، فتردد على ملوك الطوائف بالأندلس، بعد مقارعة أهوال، ومباشرة خطوب طوال، وقد نبت شفرته، وطفئت جمرته، وفد قلت فيما تقدم إنه انتحى منحى القسطلي في شكوى الزمن، والحديث عن الفتن، كان معه كمن تصدى الرياح بجناح، وقابل الصباح بمصباح، واستقر أخيراً عند المأمون بن ذي النون، فعليه خلع آخر لبوسه، ونثر بقية كيسه.

وكانت لعباد همة في اصطحاب الأحرار، واستجلاب ذوي الأخطار، ينصب لذلك الحبائل، ويعمل فيه الحق والباطل، حتى إذا عشوا إلى سرجه، واغتروا بزبرجه، سامهم رد أبي قبيس على أبيه، وأخذهم

طور بواسطة نورين ميديا © 2015