قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَيَحْرُمُ التَّعَرُّضُ لِمُنْكَرٍ فُعِلَ خُفْيَةً عَلَى الْأَشْهَرِ أَوْ مَاضٍ أَوْ بَعِيدٍ وَقِيلَ يُجْهَلُ فَاعِلُهُ وَمَحَلُّهُ. وَقَالَ أَيْضًا: لَا إنْكَارَ فِيمَا مَضَى وَفَاتَ إلَّا فِي الْعَقَائِدِ أَوْ الْآرَاءِ. انْتَهَى.

وَهَذَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ النَّاظِمِ، لِأَنَّ الْعَقَائِدَ مِمَّا يُجَدَّدُ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ.

قَالَ الْحَجَّاوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:وَالْمُسْتَتِرُ هُوَ الَّذِي يَفْعَلُهُ فِي مَوْضِعٍ لَا يَعْلَمُ بِهِ غَالِبًا غَيْرُ مَنْ حَضَرَهُ، وَيَكْتُمُهُ وَلَا يُحَدِّثُ بِهِ. وَأَمَّا مَنْ فَعَلَهُ فِي مَوْضِعٍ يَعْلَمُ بِهِ جِيرَانُهُ وَلَوْ فِي دَارِهِ فَإِنَّ هَذَا مُعْلِنٌ مُجَاهِرٌ غَيْرُ مُسْتَتِرٍ، قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: مَنْ تَسَتَّرَ بِالْمَعْصِيَةِ فِي دَارِهِ وَأَغْلَقَ بَابَهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُتَجَسَّسَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُظْهِرَ مَا يَعْرِفُهُ كَأَصْوَاتِ الْمَزَامِيرِ وَالْعِيدَانِ، فَلِمَنْ سَمِعَ ذَلِكَ أَنْ يَدْخُلَ وَيَكْسِرَ الْمَلَاهِيَ، وَإِنْ فَاحَتْ رَائِحَةُ الْخَمْرِ فَالْأَظْهَرُ جَوَازُ الْإِنْكَارِ. انْتَهَى.

قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ فِي شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ: وَاعْلَمْ أَنَّ النَّاسَ عَلَى ضَرْبَيْنِ، أَحَدُهُمَا مَنْ كَانَ مَسْتُورًا لَا يُعْرَفُ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَعَاصِي، فَإِذَا وَقَعَتْ مِنْهُ هَفْوَةٌ أَوْ زَلَّةٌ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ كَشْفُهَا وَهَتْكُهَا وَلَا التَّحَدُّثُ بِهَا، لِأَنَّ ذَلِكَ غِيبَةٌ، وَفِي ذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} [النور:19] وَالْمُرَادُ وَفِي مِثْلِهِ جَاءَ الْحَدِيثُ «أَقِيلُوا ذَوِي الْعَثَرَاتِ عَثَرَاتِهِمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -.

وَالثَّانِي: مَنْ كَانَ مُشْتَهِرًا بِالْمَعَاصِي مُعْلِنًا بِهَا وَلَا يُبَالِي بِمَا ارْتَكَبَ مِنْهَا وَلَا بِمَا قِيلَ لَهُ، فَهَذَا هُوَ الْفَاجِرُ الْمُعْلِنُ وَلَيْسَ لَهُ غِيبَةٌ، وَمِثْلُ هَذَا فَلَا بَأْسَ بِالْبَحْثِ عَنْ أَمْرِهِ لِتُقَامَ عَلَيْهِ الْحُدُودُ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا. انْتَهَى.

وَأَمَّا تَسَوُّرُ الْجُدْرَانِ عَلَى مَنْ عَلِمَ اجْتِمَاعَهُمْ عَلَى مُنْكَرٍ فَقَدْ أَنْكَرَهُ الْأَئِمَّةُ مِثْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَغَيْرِهِ وَهُوَ دَاخِلٌ فِي التَّجَسُّسِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَقَدْ قِيلَ لِابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:إنَّ فُلَانًا تَقْطُرُ لِحْيَتُهُ خَمْرًا، فَقَالَ نَهَانَا اللَّهُ عَنْ التَّجَسُّسِ.

وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ: إنْ كَانَ فِي الْمُنْكَرِ الَّذِي غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الِاسْتِمْرَارُ بِهِ بِإِخْبَارِ ثِقَةٍ عَنْهُ انْتِهَاكُ حُرْمَةٍ يَفُوتُ اسْتِدْرَاكُهَا كَالزِّنَا وَالْقَتْلِ جَازَ

طور بواسطة نورين ميديا © 2015