يؤمن بأن الملائكة تقطع ما بين السماء والأرض من المسافة في لحظة؟ وكيف ينكر هذا من يقر أن جبريل عليه السلام كان يقرئ النبي - صلى الله عليه وسلم - ويدارسه القرآن والحاضرون لا يرونه؟ وكيف ينكر هذا من يؤمن بأن الملائكة نزلت تجاهد الكفار على الخيل وتضرب منهم فوق الأعناق ولا يشاهدونها؟ وكيف ينكر هذا من يؤمن بأن لديه كاتبين للحسنات والسيئات لا يفارقانه ولا يراهما؟ وكيف ينكر هذا من يؤمن بما جاءت به الرسل من الأخبار الغائبة عنا خبر من هو يشاهدها؟
وبالجملة فإن الله تعالى قد حجب عن بني آدم أشياء كثيرة لا يدركونها في دار الدنيا والله بحكمته ولطفه حجب عن العباد عذاب القبر لأنها لا تحتمله عقولهم ولا تحتمله قلوبهم وقد ظهر ذلك فيمن أطلعه الله على ذلك، فقد أخرج ابن أبي الدنيا عن هشام بن عروة عن أبيه قال: بينما راكب يسير بين مكة والمدينة إذ مر بمقبرة فإذا رجل قد خرج من قبره يلتهب نارًا مصفدًا في الحديد فقال يا عبد الله انصح، يا عبد الله انصح، قال: وخرج آخر يتلوه فقال: يا عبد الله لا تنصح، يا عبد الله لا تنصح، قال: وغشي على الراكب وعدلت به راحلته إلى العرج وأصبح وقد ابيض شعره فلما كانت قلوب بني آدم لا تحتمل ذلك طواه الله عنهم، وقد يراه بعض عباده.
إذا عرفت هذا عرفت أن هذه التوسعة والإضاءة والخضرة والنار ليست من جنس ما نشاهده في الدنيا وإنما هي من أمر الآخرة الذي قد أسبل الله عليه الغطاء عن العيون [1/ 456] ليكون الإقرار به والإيمان سببًا لسعادتهم فإذا انكشف عنهم الغطاء صار عيانًا مشاهدًا وأنه لو كان الميت موضوعًا بين الناس لم يمتنع أن يأتيه الملكان فيسألانه من غير أن يشعر الحاضرون بذلك، ويضربانه ونحو ذلك ويجيبهما فإنه لا يمتنع أن يرد الله إلى المصلوب روحه وإلى الغريق روحه ويسأل ويجيب وهو كذلك وقد أخبرنا الله أنه ما من شيء إلا يسبح