خطة الشورى فِي حَيَاة شُيُوخه وزاحم كبارهم بِالْحِفْظِ والتحصيل فِي صغره وَلم يكن فِي وقته بشرق الأندلس نَظِير لَهُ تفننا واستبحارا كَانَ رَأْسا فِي الراسخين من الْعلمَاء وصدرا فِي المشاورين من الْفُقَهَاء قد برع فِي عُلُوم اللِّسَان وتمرس حَيَاته كلهَا بالمسائل وَتقدم فِي الْفتيا واطلع على الْآدَاب واضطلع بالغريب وشارك فِي التَّفْسِير وَتحقّق بالقراءات وَأما عقد الشُّرُوط فإليه انْتَهَت الرِّئَاسَة فِيهِ وَبِه اقْتدى من بعده لم يسْبقهُ أحد من أهل زَمَانه إِلَى مَا تميز بِهِ فِي ذَلِك حَتَّى دونت عَنهُ مَعَ حسن الْخط وبراعة الضَّبْط وتدقيق النّظر والإمامة فِي المعارف وَالْبَصَر فِي الحَدِيث وَالْحِفْظ للأنساب وَالْأَخْبَار والإيضاح لما استغلق من مَعَاني الْأَشْعَار الْجَاهِلِيَّة والإسلامية وَله تنابيه فِي فنون شَتَّى وتقييدات شَامِلَة النَّفْع والإفادة وَلَو عني بالتأليف لأربى على من سلف وَكَانَ كريم الْخلق عَظِيم الْقدر سَمحا جوادا وَولي قَضَاء بعض الكور النبيهة وخطب بِجَامِع بلنسية وقتا وَلم يحظ بِعُلُومِهِ حظوة غَيره وامتحن بالولاة والقضاة وَكَانُوا يستعينون عَلَيْهِ ويجدون السَّبِيل إِلَيْهِ بِفضل دعابة كَانَت فِيهِ مَعْرُوفَة مِنْهُ مَعَ غَلَبَة السَّلامَة عَلَيْهِ فِي إعلانه وأسراره واستغراق اناء ليله فِي تِلَاوَة الْقُرْآن وأطراف نَهَاره نَفعه الله بذلك وَكَانَ على سَعَة علمه مزجي البضاعة فِي نظمه ونثره أصلح مِنْهُ وأنشدني ابْنه أَبُو الْحسن مُحَمَّد غير مرّة قَالَ أَنْشدني أبي لنَفسِهِ

(كَأَن يقيننا بِالْمَوْتِ شكّ ... وَمَا عقل مَعَ الشَّهَوَات يذكو)

(أرى الشَّهَوَات غالبة علينا ... وَعند الْمُتَّقِينَ لَهُنَّ فتك)

هَكَذَا كَانَ ينشدنا غير مرتاب ويفصح لنا بِهِ دون توقف وَلم أزل فِي ذَلِك معولا على ضَبطه راكنا إِلَى حفظه حَتَّى أفادني بعض أَصْحَابنَا بتونس فِي أول سنة خمس وَأَرْبَعين وسِتمِائَة أَو قبلهَا بِيَسِير قِطْعَة نَسَبهَا إِلَى ابْن المعتز وأولها

(كَأَن يقيننا بِالْمَوْتِ شكّ ... وَلَا عقل مَعَ الشَّهَوَات يذكو)

(لهونا والحوادث دائبات ... لَهُنَّ بِمن قصدن إِلَيْهِ فتك)

(وَفِي الأجداث من أهل الملاهي ... رهائن لَا تعار وَلَا تفك)

(وللدنيا عدات بالتمني ... وكل عداتها كذب وإفك)

وشبيه أَن يكون أَبُو الْحسن سمع أَبَاهُ رَحمَه الله يتَمَثَّل بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ فحسبهما من قَوْله ونسبهما إِلَيْهِ على أَن ثَانِيهمَا مغير عَمَّا فِي هَذِه الرِّوَايَة وَبِالْجُمْلَةِ فَلم يكن لشَيْخِنَا فِي بَاب المنثور والمنظوم مَا يُنَاسب براعته فِي أفانين الْعُلُوم أَقرَأ الْقُرْآن وأسمع الحَدِيث ودرس الْفِقْه وَعلم بِالْعَرَبِيَّةِ والاداب وَأخذ النَّاس عَنهُ ورحلوا إِلَيْهِ وانتفعوا بِهِ وَسمع مِنْهُ

طور بواسطة نورين ميديا © 2015