أو نحوها نظرت شبحه ولم تستبين عينه وسمعت عينه وسمعت صوته أصلا، حتى إذا قرب استبنت كل ذلك وميزت عينه وسمعت كلامه. وكهدم رأيته من بعيد ولم تسمع صوته لم يشك العقل ان له صوتا مرعبا لو قربت منه. فالعقل في كل ما ذكرنا لا يخون. وأما في حس الجسم فكخردلة تزداد في حمل الإنسان فلا يحس بها البتة، حتى إذا كثر صب الخردل لم يلبث ان يعجز عن الاستقلال به ولو صب على ظهر فيل أو سفينة بحرية. والعقل يعلمك أن تلك الخردلة المصبوبة لها نصيب من الثقل ضرورة، إلا ان الحس قصر عن ادراكه لتأخر ادراك الحس عن ادراك العقل وأنه لا يدرك الا ما ظهر ظهورا قويا وقد يخفى عليه كثير من الحقائق كما ترى. والعقل يدرك، كما بينت لك، حصة الخردل من الثقل ادراكا لا فرق بينه وبين ادراك ما ظهر إلى الحس من ثقل القناطير المجتمعة. وهكذا الشم فان مقدار فلس من حليت يكون معك في لبيت فلا تشمه أصلا [80 و] حتى إذا كثرت أجزاء الحلتيت لم يلبث الشم أن يجده ويضجر منه؛ والعقل موقن أن لذلك الفلس جزءا من النتن، وهكذا القول في المسك. والعقل يعلمك أن قوة الرائحة في القليل والكثير واحدة ولكن الكثير إذا كثر افترق ما يتحلل منه في الهواء فشغل مكانا واسعا. وكذلك السماء، لا تراها متحركة والعقل يوقن أنها متحركة مما ترى من اختلاف حركتي الاجرام التي فيها من شرق إلى غرب بحركة السماء لها من غرب إلى شرق وبانتقالها في الدرج وحركتها بذاتها. وكذلك العين لا تستبين حركة الشمس أصلا حتى إذا بقيت مدة لاحت لها حركتها يقينا بأن تراها في كبد السماء بعد تراها في افق المشرق. وكنماء الأجسام من الحيوان والنبات فانك لا تستبين نموه على انه بين يديك ونصب عينيك حتى إذا مضت مدة رأيت النماء بعينيك ظاهرا وعلمت نسبة زيادته على ما كان، والعقل يشهد أن لكل ساعة حظا من نمو ذلك الشجر لم تتبينه ببصرك. وهذا إذا تدبرته كثير جدا.

وقد بينا في باب الكلام في الكيفية من هذا الديوان مشاركة العقل للحواس في جميع مدركاتها وانفراده دونها باشياء كثيرة؛ فلولا العقل ما عرفنا الغائبة عن الحواس ولا عرفنا الله عز وجل. ومن كذب عقله فقد كذب شهادة

طور بواسطة نورين ميديا © 2015