{أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا} (?). قال: والحق أن هذه الآية في الكفار، وقد أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأمرين، والأولى التوسط في الأمر وعدم الإفراط في ملازمة استعمال الطيبات، فإنه يفضي إلى الترفه والبطر، ولا يأمن من الوقوع في الشبهات، فإن من اعتاد ذلك قد لا يجده أحيانًا، فلا يستطيع الانتقال عنه، فيقع في المحذور، كما أن منع تناول ذلك أحيانًا يفضي إلى التنطع المنهي عنه. ويرد عليه صريح قوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} (?). كما أن الأخذ بالتشديد في العبادة يفضي إلى الملل القاطع لأصلها، وملازمة الاقتصار على الفرائض مثلًا وترك النفل يفضي إلى إيثار البطالة وعدم النشاط إلى العبادة، وخير الأمور الوسط.
وقوله: "فمن رغب عن سنتي فليس مني". المراد بالسنة الطريقة، لا التي تقابل الفرض، والرغبة عن الشيء الإعراض عنه إلى غيره، وأراد - صلى الله عليه وسلم -: من ترك طريقتي وأخذ بطريقة غيري فليس مني. ولمح بذلك إلى طريقة الرهبانية، فإنهم الذين ابتدعوا التشديد كما وصفهم الله تعالى، وقد عابهم بأنهم ما وفوا بما التزموه. وطريقة النبي - صلى الله عليه وسلم - الحنيفية السمحة؛ فيفطر ليقوى على الصوم، وينام ليقوى على القيام، ويتزوج لكسر الشهوة وإعفاف النفس وتكثير النسل.
وقوله: "فليس مني". إن كانت الرغبة لضرب من التأويل يعذر صاحبها فيها فالمعنى: ليس مني: أي على طريقتي، ولا يلزم أن يخرج عن الملة، وإن كانت إعراضًا وتنطعًا يفضي إلى اعتقاد أرجحية عمله، فمعنى