مذهب من قال بأن آخر وقت المغرب هو غروب الشفق الأحمر؛ لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة في ذلك، وإنما أطلت في نقل كلام النوويّ؛ لكونه تحقيقًا بليغًا في عدم التعصب لقول الإمام الشافعيّ المنصوص عليه في كثير من كتبه واتفق عليه معظم أصحابه أنه لا وقت لها إلا واحد، فرأيت هذا الإمام أعطى المسألة حقّها، ولم يُحَابِ فيها، واعتذر عن إمامه بعدم صحة الحديث عنده، أو بأن ما روي عنه من موافقة الجمهور هو الصحيح.

وهكذا يجب على كلّ مسلم أن يكون مع الحقّ حيثما كان، ولا يهاب إلا الحقّ، وإن خالفه جل الناس، ويعتذر عن الأئمة الذين خالفوه بوجه من وجوه الأعذار الصحيحة، ويا ليت أصحاب المذاهب اتبعوا هذا، فإن هذا هو منشأ ائتلاف كلمتهم وتوحيد صفوفهم، وكونهم يدًا واحدة على أعداء الإِسلام، ولا يتفرقون تفرق أهل الأهواء الزائغة، وهذا هو وصيةُ الأئمة لأتباعهم، وليس وصيةً للشافعي فقط، إلا أن أتباعهم ما عملوا بوصاياهم إلا من وفّقه اللَّه، قاتل اللَّه التعصب.

وللَّه در العلامة محمَّد بن إسماعيل الأمير الصنعاني، حيث يقول [من الطويل]:

عَلامَ جَعَلْتُمْ أيُّها النَّاسُ دِينَنَا ... لأرْبَعَةٍ لا شَكَّ فِي فَضْلِهِمْ عِنْدِي

هُمُ عُلَمَاءُ الدِّينِ شَرْقًا وَمَغْرِبًا ... وَنُورُ عُيُونِ الْفَضْلِ وَالْحَقِّ وَالزُّهْدِ

وَلَكِنَّهُمْ كَالنَّاسِ لَيْسَ كَلامُهُمْ ... دَلِيلًا وَلا تَقْلِيدُهُمْ فِي غَدٍ يُنْجِي

وَلا زَعَمُوا -حَاشَاهُمُ- أَنَّ قَوْلَهُمْ ... دَلِيلٌ فَيَسْتَهْدِي بِهِ كُلُّ مُسْتَهْدِي

بَلَى صَرَّحُوا أَنَّا نُقَابِلُ قَوْلَهُمْ ... إِذَا خَالَفَ الْمَنْصُوصَ بِالْقَدْحِ وَالرَّدِّ

اللهم أرنا الحق حقًّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، آمين.

واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة العاشرة): في اختلاف أهل العلم في وقت صلاة العشاء:

(اعلم): أنهم أجمعوا على أن أول وقت العشاء غروب الشفق، وإنما اختلفوا في معنى الشفق، هل هو الحمرة، كما هو رأي الجمهور، وهو الحقّ، أو هو البياض، كما هو رأي أبي حنيفة؟ وسيأتي تحقيق ذلك في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015