الأخبار، كما لا يجوز عليهم خُلْفٌ في خبر لا عمدًا ولا سهوًا لا في صحة، ولا في مرض، ولا رضًا ولا غضب، وحسبك في ذلك أن سيرة نبينا -صلى اللَّه عليه وسلم- وكلامه وأفعاله مجموعةٌ مُعْتَنًى بها على مَرّ الزمان، يتداولها الموافق والمخالف، والمؤمن والمرتاب، فلم يَأتِ في شيء منها استدراكُ غلطٍ في قول، ولا اعترافث بوهم في كلمة، ولو كان لَنُقِل كما نُقِل سهوه في الصلاة، ونومه عنها، واستدراكه رأيه في تلقيح النخل، وفي نزوله بأدنى مِيَاه بدر، وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "واللَّه لا أحلف على يمين، فأَرَى غيرها خيرًا منها، إلا فعلت الذي هو خير، وكَفَّرت عن يميني"، وغير ذلك، وأما جواز السهو في الاعتقادات في أمور الدنيا فغير ممتنع، واللَّه تعالى أعلم. انتهى (?).
وقال القرطبيّ بعدما ذكر نحو ما تقدّم: وشذّت الباطنيّة، وطائفة من أرباب علم القلوب، فقالوا: لا يجوز النسيان عليه، وإنما ينسى قصدًا، ويتعمّد صورة النسيان ليَسُنّ، ونحا إلى قولهم عظيم من أئمة التحقيق، وهو أبو المظفّر الإسفرائينيّ في كتابه "الأوسط"، وهذا مَنْحًى غير سديد، وجمع الضدّ مع الضدّ، مستحيل بعيد.
قال: والصحيح أن السهو عليه جائز مطلقًا؛ إذ هو واحد من نوع البشر، فيجوز عليه ما يجوز عليهم إذا لم يَقدَح في حاله، وعليه نَبَّهَ حيث قال: "إنما أنا بشرٌ أنسى كما تنسون"، غير أن ما كان منه فيما طريقه بلاغ الأحكام قولًا أو فعلًا لا يُقرّ على نسيانه، بل يُنَبَّه عليه إذا تعيّنت الحاجة إلى ذلك المبلَّغ، فإن أُقِرّ على نسيانه ذلك فإنما ذلك من باب النسخ، كما قال تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} [الأعلى: 6 - 7] انتهى كلام القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- (?)، وهو بحثٌ نفيسق جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -رَحِمَهُ اللَّهُ- المذكور أولَ الكتاب قال:
[1279] (. . .) - (حَدَّثَنَاه (?) أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ بِشْرٍ، قَالَ: (ح)