وهذا الحديث يَرُدّ عليهم؛ لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- فيه: "أَنْسَى كما تَنْسَوْن"، ولقوله: "فإذا نَسِيتُ فذَكِّروني"، أي بالتسبيح ونحوه، قاله في "الفتح".
(قَالُوا: صَلَّيْتَ كَذَا وَكَذَا) وفي رواية الحكم الآتية: "قالوا: صلّيت خمسًا" (قَالَ) عبد اللَّه -رضي اللَّه عنه- (فَثَنَى رِجْلَيْهِ) يقال: ثَنَى الشيءَ يَثْنيه، من باب رمَى: رَدّ بعضه على بعض، فَتَثَنَّى، وانثنَى، واثْنَونَى: انعطف (?)، أي عَطَف -صلى اللَّه عليه وسلم- رجليه؛ تأهّبًا للسجود (وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: "إِنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ، أَنْبَأْتُكُمْ بِهِ) أي أخبرتكم بذلك الشيء، وفيه دليلٌ على عدم تأخير البيان عن وقت الحاجة.
(وَلَكِنْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ) وفي الرواية الآتية: "قال: إنما أنا بشرٌ مثلكم"، أي أنا بشر في الأمور البشريّة مثل سائر البشر، إلا أنه يوحى إليّ، كما قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ} [الكهف: 110] الآية.
قال الشوكانيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: هذا حصرٌ له في البشريّة باعتبار من أنكر ثبوت ذلك، ونازع فيه عنادًا وجُحودًا، وأما باعتبار غير ذلك مما هو فيه، ينحصر في وصف البشريّة؛ إذ له صفات أُخَرُ، ككونه جسمًا حيًّا متحرّكًا، نبيًّا رسولًا، بشيرًا نذيرًا، وسراجًا منيرًا، وغير ذلك. انتهى. (أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ) بفتح السين، مضارع نَسِيَ بكسرها، كرضي يَرْضَى، قال الفيّوميّ: نَسِيتُ الشيءَ أَنْسَاه نِسيانًا، مشتَرَك بين معنيين: أحدهما: ترك الشيء على ذهول وغَفْلة، وذلك خلاف الذكر له، والثاني: الترك على تعمّد، وعليه قوله تعالى: {وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة: 237]، أي لا تقصدوا الترك، والإهمالَ، ويتعدّى بالهمزة والتضعيف. انتهى (?).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: المراد هنا المعنى الأول، فتنبّه.
(فَإذَا نَسِيتُ) بكسر النون، وفي الرواية الآتية: "أذكر كما تذكرون، وأنسى كما تنسون".