بين أيديهم في بعض الصفّ، ولا فيما بينهم وبين الإمام، وإن مَرّ ما يَقطَع الصلاة بين الإمام وسترته، قَطَع صلاته وصلاتهم، وقد دلّ على هذا ما رَوَى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: هَبَطنا مع النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- من ثَنِيّة أَذَاخِر، فحضرت الصلاة، يعني فصلَّى إلى جدار، فاتخذه قبلة، ونحن خلفه، فجاءت بَهْمَةٌ تمرّ بين يديه، فما زال يُدارؤها حتى لَصِقَ بطنه بالجدار، ومرّت من ورائه" (?).
فلولا أن سترته سترةٌ لهم لم يكن بين مرورها بين يديه وخلفه فرقٌ. انتهى كلام ابن قُدامة -رَحِمَهُ اللَّهُ-.
وقال الإمام ابن رجب -رَحِمَهُ اللَّهُ- ما ملخّصه: قول جمهور العلماء أن سترة الإمام سترة لمن خلفه، قال ابن المنذر: رُوي ذلك عن ابن عمر، وبه قال النخعيّ، ومالكٌ، والأوزاعيّ، وأحمد. انتهى.
ومنهم من قال: الإمام سترة لمن خلفه، وهو قول طائفة من أصحاب مالك.
قال: ومعنى كون سترة الإمام سترة لمن خلفه أن المأمومين لا يُشرع لهم أن ينصبوا بين أيديهم سترة غير سترة إمامهم، وأنه لا يضرّهم من مرّ بين أيديهم إذا لم يمرّ بين يدي إمامهم، ويدلّ على ذلك أيضًا ما روى هشام بن الغاز، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: هبطنا مع النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-. . . فذكر الحديث الماضي، قال: وهذا يدلّ على أن المرور بين الإمام وسترته محذورٌ بخلاف المرور بين يدي من خلفه إذا كانت سترة الإمام محفوظةً، وأما جواز المرور بين يدي المأمومين إذا كانت سترة الإمام محفوظةً، ففيه قولان: أحدهما: أنه منهيّ عنه أيضًا، نصّ عليه أحمد في رواية الأثرم.
والقول الثاني: جوازه من غير كراهة، وأنه غير داخل في النهي، قال: وذكر ابن عبد البرّ في "التمهيد" أن المأموم لا يدفع من مرّ بين يديه، وقال: لا أعلم بين أهل العلم فيه خلافًا، وذكر في "الاستذكار" أن مالكًا يرخّص في ذلك لمن لم يجد منه بُدًّا، وأن غيره لا يرى به بأسًا، يعني بكلّ حال، سواء