الضاد مخرجها من أول حافة اللسان، وما يليها من الأضراس، ومخرج الظاء من طرف اللسان، وأطراف الثنايا العليا، ولأن كلًّا من الحرفين من الحروف المجهورة، ومن الحروف الرِّخْوَة، ومن الحروف الْمُطْبَقَة، فلهذا كلِّه اغتُفِرَ استعمال أحدهما مكان الآخر لمن لا يميز ذلك، وأما حديث: "أنا أفصح مَن نطق بالضاد"، فلا أصل له. انتهي، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ) اللَّه تعالى (هَذَا لِعَبْدِي) أي الكلام خاصّ بعبدي؛ لأنه دعاء بالتوفيق إلى صراط من أنعم اللَّه عليهم من النبيين، والصدّيقين، والشهداء، والصالحين، والعصمة من صراط من غَضِبَ اللَّه عليهم، ولعنهم، وجَعَل منهم القِرَدَة والخنازير، وصراط من أضلّوا كثيرًا، وضلُّوا عن سواء السبيل.
وقال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: قوله تعالى: "فإذا قال العبد: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6). . .} إلى آخر السورة، فهذا لعبدي"، هكذا هو في "صحيح مسلم"، وفي غيره: "فهؤلاء لعبدي"، وفي هذه الرواية دليل على أن {اهْدِنَا} وما بعده إلى آخر السورة ثلاث آيات، لا آيتان، وفي المسألة خلافٌ، مبنيّ على أن البسملة من الفاتحة أم لا؟ فمذهبنا ومذهب الأكثرين أنَّها من الفاتحة، وأنها آية {اهْدِنَا} وما بعده آيتان، ومذهب مالك وغيره ممن يقول: إنها ليست من الفاتحة، يقول: {اهْدِنَا} وما بعده ثلاث آيات، وللأكثرين أن يقولوا: قوله: "هؤلاء"، المراد به الكلمات، لا الآيات، بدليل رواية مسلم: "فهذا لعبدي"، وهذا أحسن من الجواب بأن الجمع محمول على الاثنين؛ لأن هذا مجاز عند الأكثرين، فيحتاج إلى دليل على صرفه عن الحقيقة إلى المجاز. انتهى كلام النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- (?).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: مسألة كون الاثنين أقلّ الجمع قد استوفيت بحثه في "التحفة المرضيّة"، وشرحها "المنحة الرضيّة" في الأصول، ورجّحت أنه الحقّ، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
وأما مسألة كون البسملة من الفاتحة، أم لا؟ فسيأتي البحث عنه مستوفًى بعد بابين -إن شاء اللَّه تعالى-.