(قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حَمِدَني عَبْدِي) أي أثنى عليّ بصفات كمالي وجلالي.
وقال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: قال العلماء: وقوله تعالى: "حمدني عبدي، وأثنى عليّ، ومجّدني" إنما قاله؛ لأن التحميد الثناء بجميل الفعال، والتمجيد الثناء بصفات الجلال، ويقال: أثنى عليه في ذلك كلّه، ولهذا جاء جوابًا لـ "الرحمن الرحيم"؛ لاشتمال اللفظين على الصفات الذاتية والفعلية. انتهى.
(وَإِذَا قَالَ) العبد: ({الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}) صفتان من صفات اللَّه -عَزَّ وَجَلَّ-، ولا يوصف بـ "الرحمن" غير اللَّه تعالى، وأما "الرحيم" فجائز أن يقال: فلانٌ رحيمٌ، وهو أبلغ من الراحم، قاله الأزهريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-.
وقال ابن كثير -رَحِمَهُ اللَّهُ-: هما اسمان مشتقّان من الرحمة على وجه المبالغة، و"رحمن" أشدّ مبالغةً من "رَحيم"، وفي كلام ابن جرير ما يُفهم منه حكاية الاتّفاق على هذا، وفي تفسير بعض السلف ما يدلّ على ذلك، وزعم بعضهم أنه غير مشتقّ.
وقال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: والدّليل على أنه مشتقّ ما أخرجه الترمذيّ، وصحّحه عن عبد الرحمن بن عوف -رضي اللَّه عنه- أنه سمع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "قال اللَّه تعالى: أنا الرحمن خَلَقتُ الرحم، وشققتُ لها من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته"، قال: وهذا نصّ في الاشتقاق، فلا معنى للمخالفة والشقاق، قال: "وإنكار العرب لاسم الرحمن؛ لجهلهم باللَّه، وبما وجب له.
وقال أيضًا: ثم قيل: هما بمعنى واحد، كنَدْمَان ونَدِيم، قاله أبو عُبيد، وقيل: ليس بناءُ فعلان كفَعِيل، فإن فعلان لا يقع إلَّا على مبالغة الفعل، نحو رجل غضبان للرجل الممتلئ غضبًا، وفَعِيلٌ قد يكون بمعنى الفاعل والمفعول، قال أبو عليّ الفارسيّ: "الرحمن" عامّ في جميع أنواع الرحمة، يختصّ به اللَّه تعالى، و"الرحيم" إنما هو من جهة المؤمنين، قال اللَّه تعالى: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب: 43] (?).
وقال أيضًا: وَصَفَ نفسه تعالى بعدَ {رَبِّ الْعَالَمِينَ} وبأنه {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}؛ لأنه لَمّا كان في اتصافه بـ {رَبِّ الْعَالَمِينَ} ترهيبٌ قَرَنه بـ {الرَّحْمَنِ