ولقوله: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا} [الشورى: 51].
وحاصل هذا أن الصادق قد أخبر أن الله تعالى لا يراه أحد في الدنيا،
والدجال يراه الناس، فليس بإله، وهذا منه - صلى الله عليه وسلم - نزول إلى غاية البيان، بحيث
لا يبقى معه ريبة لإنسان، وقد تقدَّم الخلاف في رؤية نبيّنا محمد - صلى الله عليه وسلم - ربه في
"كتاب الإيمان"، وقد قلنا: إنه لم يثبت في الباب قاطعٌ يُعتمد عليه، والأصل
التمسّك بما دلت هذه الأدلة عليه.
وقد تأوّل بعض الناس قوله - صلى الله عليه وسلم -: "مكتوب بين عينيه كافر"، وقال: معنى
ذلك ما ثبت من سمات حَدَثِه، وشواهد عجزه، وظهور نقصه، قال: ولو كان
على ظاهره وحقيقته لاستوى في إدراك ذلك المؤمن والكافر، وهذا عدولٌ،
وتحريف لحقيقة الحديث من غير موجب لذلك، وما ذكره من لزوم المساواة
بين المؤمن والكافر في قراءة ذلك لا يلزم لوجهين: أحدهما: أن الله تعالى
يمنع الكافر من إدراكه، لا سيما وذلك الزمان قد انحرفت فيه عوائد، فليكن
هذا منها، وقد نَصّ على هذا في بعض طرقه، فقال: "يقرؤه كل مؤمن كاتب
وغير كاتب"، وقراءة غير الكاتب خارقة للعادة.
وثانيهما: أن المؤمن إنما يدركه لتثبّته، ويقظته، ولسوء ظنه بالدجّال،
وتخوّفه من فتنته، فهو في كل حال يستعيد النظر في أمره، ويستزيد بصيرة في
كذبه، فينظر في تفاصيل أحواله، فيقرأ سطور كفره، وضلاله، ويتبيّن عين محاله،
وأما الكافر فمصروف عن ذلك كله بغفلته وجهله، وكما انصرف عن إدراك
نقص عوره، وشواهد عجزه، كذلك يُصرف عن فهم قراءة سطور كفره، ورمزه.
وأما الفرق بين النبيّ والمتنبىء: فالمعجزة لا تظهر على يدي المتنبىء؛
لأنَّه يلزم منه انقلاب دليل الصدق دليل الكذب، وهو محال، وللبحث فيها
مجال في علم الكلام.
وأما من قال: إن ما يأتي به الدجال حِيَل ومخارق فهو معزول عن
الحقائق؛ لأنَّ ما أخبر به النبيّ - صلى الله عليه وسلم - من تلك الأمور حقائق، لا يُحيل العقل
شيئًا منها، فوجب إبقاؤها على حقائقها. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله (?) وهو
بحثٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.