كما وقع لعمر في حَلِفه على ابن صياد هو الدجال، فلم ينكر عليه، فهل يدلّ
عدم إنكاره على أن ابن صياد هو الدجال، كما فهمه جابر، حتى صار يحلف
عليه، ويستند إلى حلف عمر، أو لا يدلّ؟ فيه نظرٌ، قال: والأقرب عندي أنه
لا يدلّ؛ لأن مأخذ المسألة، ومناطها هو العصمة من التقرير على باطل، وذلك
يتوتف على تحقق البطلان، ولا يكفي فيه عدم تحقق الصحة، إلا أن يدعي
مُدّع أنه يكفي في وجوب البيان عدم تحقق الصحة، فيحتاج إلى دليل، وهو
عاجز عنه، نَعَم التقرير يسوّغ الحَلِف على ذلك، على غلبة الظنّ؛ لعدم توقف
ذلك، على العلم. انتهى ملخصًا.
قال الحافظ: ولا يلزم من عدم تحقق البطلان أن يكون السكوت مستوي
الطرفين، بل يجوز أن يكون المحلوف عليه من قِسم خلاف الأَولى. انتهى (?).
(المسألة الرابعة): قال الخطابيّ رحمه الله: اختَلَف السلف في أمر ابن صياد
بعد كِبَره، فروي أنه تاب من ذلك القول، ومات بالمدينة، وأنهم لما أرادوا
الصصلاة عليه كشفوا وجهه حتى يراه الناس، وقيل لهم: اشهدوا.
وقال النوويّ: قال العلماء: قصة ابن صياد مشكلة، وأمره مشتبه، لكن
لاا شك أنه دجال من الدجاجلة، والظاهر أن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لم يوح إليه في أمره
بشيء، وإنما أُوحي إليه بصفات الدجال، وكان في ابن صياد قرائن محتملة،
فلذلك كان - صلى الله عليه وسلم - لا يقطع في أمره بشيء، بل قال لعمر: "لا خير لك في قتله"،
الحديث.
وأما احتجاجاته هو بأنه مسلم إلى سائر ما ذَكَر، فلا دلالة فيه على
دعواه؛ لأن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إنما أخبر عن صفاته وقت خروجه آخر الزمان، قال:
ومن جملة ما في قصته قوله للنبيّ - صلى الله عليه وسلم -: أتشهد أني رسول الله، وقوله: إنه يأتيه
صادق وكاذب، وقوله: إنه تنام عينه، ولا ينام قلبه، وقوله: إنه يرى عرشًا على
الماء، وأنه لا يكره أن يكَون الدجالَ، وأنه يعرفه، ويعرف مولده، وموضعه،
وأين هو الآن.
قال: وأما إسلامه، وحجه، وجهاده، فليس فيه تصريح بأنه غير الدجال؛