الهلاك الحاصل من هؤلاء لأمته في ذلك العصر إنما سببه أن هؤلاء الأغيلمة
لِصِغَر أسنانهم لم يتحنّكوا، ولا جرّبوا الأمور، ولا لهم محافظة على أمور
الدين، وإنما تصرّفهم على مقتضى غلبة الأهواء، وحِدّة الشباب. انتهى (?).
وفي رواية: "هَلَكة أمتي" بفتح الهاء واللام؛ أي: هلاكهم، قال القاري:
والمراد بالأمة هنا: الصحابة؛ لأنهم خيار الأمة، وأكابر الأئمة، وقوله: "على
يدي" تثنية مضافة إلى "غلمةٍ، من قريش" بكسر الغين جمع غلام؛ أي: على
أيدي الشُّبّان الذين ما وصلوا إلى مرتبة كمال العقل، والأحداث السنّ الذين لا
مبالاة لهم بأصحاب الوقار، وأرباب النُّهَى، والظاهر أن المراد: ما وقع بين
عثمان - رضي الله عنه - وقَتَلته، وبين عليّ والحسين - رضي الله عنهما -، ومن قاتَلهم، وقال المظهر: لعله
أراد بهم الذين كانوا بعد الخلفاء الراشدين، مثل يزيد، وعبد الملك بن
مروان، وغيرهما. انتهى (?).
قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ما يبيّن المراد
بهؤلاء، فقد أخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه "كان يمشي في
السوق، ويقول: اللَّهُمَّ لا تدركني سنة ستين، ولا إمارة الصبيان"، قال
الحافظ: وفي هذا إشارة إلى أن أول الأغيلمة كان في سنة ستين، وهو كذلك،
فإن يزيد بن معاوية استُخلف فيها، وبقي إلى سنة أربع وستين، فمات، ثم ولي
ولده معاوية، ومات بعد أشهر. انتهى (?).
[تنبيه]: وقع في بعض الروايات بلفظ: "أُغيلمة"، وهو تصغير غِلمة على
غير مكبّره، فكأنهم قالوا: أغلمة، ولم يقولوه، كما قالوا: أَصيبية بتصغير
صِبية. وبعضهم يقول: غُليمة على القياس، وقد تقدَّم القول في الغلام، وأن
أصله فيمن لم يحتلم، ثم قد يُتوسع فيه، ويقال على الحديث السنّ، وإن كان
قد احتلم، وعلي هذا جاء في هذا الحديث، قاله القرطبيّ رحمه الله (?).
(قَالُوا)؛ أي: الصحابة الحاضرون مجلس النبيّ - صلى الله عليه وسلم - حين حدّث بهذا
الحديث: (فَمَا تَأْمُرُنَا؟ )؛ أي: فبأيّ شيء تأمرنا أن نتمسّك به في ذلك الزمان؟