سلّمنا نفي العرف، وأن لفظ الباغية صالح للطلب، وللتعدّي، لكن
النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ذكر الفئة الباغية في هذا الحديث في معرض إظهار فضيلة عمّار - رضي الله عنه -،
وذم قاتليه، ولو كان المقصود البغي الذي هو مجرد المطلب لمَا أفاد شيئًا من
ذلك، وقد أفادهما بدليل مساق الحديث، فتأمله بجميع طرقه تجده كذلك.
وأيضًا فلو كان ذلك هو المقصود لكان تخصيص قتلة عمّار بالبغي الذي
هو المطلب ضائعًا، لا فائدة له؛ إذ عليّ وأصحابه طالبون للحقّ ولقتلة عثمان،
لو تفرغوا لذلك، وتمكنوا منه، وإنما منعهم من ذلك معاوية وأصحابه بما
أبدوا من الخلاف، ومن الاستعجال، مع قول عليّ لهم: ادخلوا فيما دخل فيه
الناس، ونطلب قتلة عثمان، ونقيم عليهم كتاب الله، فلم يلتفتوا لهذا، ولا
عرّجوا عليه، ولكن سبقت الأقدار، وعظمت المصيبة بقتيل الدار.
وأما فساد التأويل الثاني فواضحٌ لأنَّه عَدْل عمن وُجد القتل منه إلى من لا
تصح نسبته إليه؛ إذ لم يُجبَر عمّار على الخروج، بل هو خرج بنفسه وماله
مجاهدًا في سبيل الله، قاصدًا لقتال من بغى على الإمام الحقّ، وقد نقلنا ما
صدر عنه في ذلك، وحاشَ معاوية - رضي الله عنه - عن مثل هذا التأويل، والعهدة على
الناقل، بل قد حُكي عن معاوية - رضي الله عنه - أنه قال عندما جاءه قاتل عمّار برأسه:
سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "بشِّر قاتل ابن سمية بالنار"، فلما سمع القاتل ذلك
قال: بئست البشارة، وبئست التحفة، وأنشد في ذلك شعرًا، والله أعلم بحقيقة
ما جرى من ذلك، وقد تقدَّم قول النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في الخوارج: "تقتلهم أَوْلى الطائفتين
بالحقّ"، والقاتل لهم هو عليّ - رضي الله عنه -، وأصحابه. انتهى كلام القرطبيّ (?) رحمه الله.
قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة المسألة أننا نقول: عليّ - رضي الله عنه -،
وأصحابه هم أهل الحقّ، والذين قاتلوهم فيهم كبار أصحاب رسول الله،
فالواجب أن نعتذر عنهم بأنهم مجتهدون، أخطؤوا في اجتهادهم، وهذا هو
السلامة كلّ السلامة، وهي مقدّمة على كلّ شيء، فلا نخوض في القضيّة بأكثر
من هذا، ورحم الله عز وجل الإمام العدل، والناطق بالعدل، عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه -
حيث قال حين سئل عما جرى بينهم: تلك دماء قد طهّر الله منها سيوفنا، فلا