كانت بها الحمى النافض، وأن النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لمّا دخل، فوجدها كذلك، قال: ما
شأن هذه؟ قالت: أخذتها الحمى بنافض، قال: فلعله في حديث تُحُدّث؟
قالت: نعم، فقعدت عائشة".
(فَسَلَّمَ) - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (ثُمَّ جَلَسَ، قَالَتْ: وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ لِي مَا قِيلَ، وَقَدْ
لَبِثَ) بكسر الباء؛ أي: مكث - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (شَهْرًا لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأنِي بِشَيْءٍ) حَكَى
السهيليّ أن بعض المفسرين ذكر أن المدة كانت سبعة وثلاثين يومًا، فألغى
الكسر في هذه الرواية، وعند ابن حزم أن المدة كانت خمسين يومًا، أو أَزْيد،
ويُجمع بأنها المدة التي كانت بين قدومهم المدينة، ونزول القرآن في قصة
الإفك، وأما التقييد بالشهر، فهو المدّة التي أولها إتيان عائشة إلى بيت أبويها
حين بلغها الخبر.
(قَالَتْ: فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ جَلَسَ) وفي رواية هشام بن عروة:
"فحَمِد الله، وأثنى عليه"، (ثُمَّ قَالَ) بعد التشهّد: ("أمّا بَعْدُ) بالبناء على الضمّ،
لقطعه عن الإضافة، ونيّة معناها؛ أي: بعد التشهّد، (يَا عَائِشَةُ فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي
عَنْكِ كَذَا وَكَذَا) هو كناية عما رُميت به، من الإفك، قال القرطبيّ: وهذا يدلّ
على أنَّ كذا وكذا يُكنى بها عن الأحوال، كما يُكنى بها عن الأعداد.
انتهى (?).
وقال الحافظ: ولم أر في شيء من الطرق التصريح، فلعل الكناية من
لفظ النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ووقع في رواية ابن إسحاق: "فقال: يا عائشة، إنه قد كان ما
بلغك من قول الناس، فاتقِ الله، كان كنت قارفت سوءًا فتوبي"، (فَإِنْ كُنْتِ
بَرِيئَةً) مما رُميت به (فَسَيُبَرِّئُكِ اللهُ)؛ أي: بوحي يُنزله بذلك، قرآنًا، أو غيره.
(وَإِنْ كنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ)؛ أي: وقع منك على خلاف العادة، وهذا حقيقة
الإلمام ومنه قوله:
أَلَمَّتْ بِنَا وَاللَّيْلُ مُرْخٍ سُتُورَهُ
وقول الآخر:
مَتَى تَأْتِنَا تُلْمِمْ بِنَا فِي دِيَارِنَا