قولك: أفكه يأفكه أَفْكًا: قَلَبه، وصرفه عن الشيء، ومنه قوله تعالى: {أَجِئْتَنَا
لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا} [الأحقاف: 22]، وقيل للكذب: إفك؛ لأنه مصروف عن
الصدق، قاله في "العمدة" (?).
وسيأتي ذكر أسماء أهل الإفك قريبًا - إن شاء الله تعالى -.
(مَا قَالُوا) "ما" موصولة، والعائد محذوف، أي: الذي قالوه، مما لا
يليق بجنابها - رضي الله عنها -.
(فَبَرَّأَهَا اللهُ)؛ أي: نزّه الله - عَزَّوَجَلَّ - عائشة - رضي الله عنها - (مِمَّا قَالُوا)، أي: من الإفك
الذي، قالوه، وافتروه عليها، فقال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا
تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ} [النور: 11]
إلى آخر الآياتِ العشر.
(وَكُلُّهُمْ)، أي: كلّ الأربعة المذكورين، (حَدَّثَنِي طَائِفَةً)؛ أي: بعضًا (مِنْ
حَدِيثِهَا) قال في "الفتح": هو مقول الزهريّ كما في رواية فليح: "قال
الزهريّ ... إلخ"، وفي رواية ابن إسحاق: "قال الزهريّ: كلٌّ حدثني بعض
هذا الحديث، وقد جمعت لك كلّ الذي حدثوني"، ولمّا ضَمّ ابنُ إسحاق إلى
رواية الزهريّ عن الأربعة روايته هو عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، وعن
يحير، بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، كلاهما عن عائشة، قال: "دخل
حدب، هؤلاء جميعًا، يحدّث بعضهم ما لَمْ يحدّث صاحبه، وكلّ كان ثقةً،
فكلٌّ حَدّث عنها ما سمع، قال ... " فذكره.
قال النوويّ - رَحِمَهُ اللهُ -: هذا الذي ذكره الزهريّ من جَمْعه الحديث عنهم
جائز، لا مَنْع منه، ولا كراهة فيه؛ لأنه قد بَيّن أن بعض الحديث عن بعضهم،
وبعضه عن بعضهم، وهؤلاء الأربعة أئمةٌ حُفّاظٌ ثقاتٌ من أجلِّ التابعين، فإذا
ترددت اللفظة من هذا الحديث بين كونها عن هذا أو ذاك لَمْ يضرّ، وجاز
الاحتجاج بها؛ لأنهما ثقتان، وقد اتفق العلماء على أنَّه لو قال: حدّثني زيد أو
عمرو، وهما ثقتان معروفان بالثقة عند المخاطَب، جاز الاحتجاج به.
انتهى (?).